للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

خواطر في الدعوة

[الحلقة المفقودة]

محمد العبدة

قال صاحبي: عجيب أمر هذه الشعوب، كيف تسكت على الظلم، وترضى

بالهوان بل بالفقر والجوع، وكيف تسير مع أجهزة لإعلام أنَّى سارت!

قلت له: مع أنه هناك فرق بين بعض الشعوب إلا أن كلامك في الجملة

صحيح، ولكنك يا أخي تذكر الشعوب ومن يظلمها أو يسيرها بأجهزة إعلامه

المرئية والمسموعة وتنسى حلقة بين هذين الطرفين وهي إن كانت موجودة

فوجودها ضعيف غير مؤثر، وهي التي كان باستطاعتها أن تكون لها الكلمة

المسموعة. نسيت يا أخي العلماء، هؤلاء هم زعماء الأمة، وورثة النبوة، وهم

الموجهون لها، وهم الذين يحولون بين العشب وبين سقوطه فريسة الاستبداد، وهم

الذين تتطلع إليهم الأمة في الملمات والشدائد وحين تطل الفتن برأسها وحين تختلط

الأمور، وأعني بذلك العلماء المستقلين الذين يجمعون بين العلم والدين ويتكلمون

كلمة الحق دون خوف أو وجل من قطع راتب أو تنحية عن منصب، هؤلاء قلة

نادرة الآن، بل في بعض البلدان لا تجد لهم أثراً. ومن هذه القلة النادرة أناس

عندهم حظ وافر من العلم والتقوى، ولكنهم غمطوا أنفسهم فابتعدوا عن مجالات

التصدي لزعامة الناس وكأنهم ظنوا أن هذا من طلب الشهرة، ولهؤلاء نقول:

إن علاقة العلماء بجماهير الأمة ستجعل لهم وزناً ويحسب لرأيهم حساب،

«فهم على الحقيقة أصحاب الأمر استحقاقاً، وذوو النجدة مأمورون بارتسام مراسمهم واقتصاص أوامرهم والانكفاف عن مزاجرهم» [١] .

لقد بذلت الحركات الإسلامية جهوداً في محاولة استئناف حياة إسلامية ولكنها

لم تملأ هذا الفراغ بإبراز عدد من العلماء الربانيين الذين يفزع الناس إليهم

ويسمعون منهم ويتبعونهم، وهؤلاء هم الذين يبعدون الشعب عن اتباع كل ناعق،

هؤلاء العلماء إذا لم يكونوا موجودين في قطر من الأقطار فيجب علينا إيجادهم ونعد

لهذا باختيار الطلبة الأذكياء ودفعهم إلى تعلم العلم الشرعي والتبحر فيه ومعرفة

الواقع ليصبحوا محط أنظار الشعب يسألهم عما يفيده في دينه ودنياه، وعما ينجيه

من النار ويدخله الجنة.


(١) الغياثي لأبي المعالي الجويني ص ٩٥.