للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ما أفادَه منه الحافظُ في الفتح، بل حَسْبُنا مُقابلَةُ شرحِهِ "طَرْحِ التثريبِ" الذي شرح ما جَمَعَه من أحاديثَ رُويَتْ من أَصحِّ الأسانيدِ لِيجدَ كيف اعتمدَ عليه الحافِظُ في "فَتْح الباري".

وكان الحافِظُ مع سُرعةِ حِفْظِه سريعَ القراءةِ حتى إِنَّه قَرَأَ صحيحَ البُخاريّ في عَشَرَةِ مجالِسَ كلُّ واحدٍ منها مِنْ بَعْدِ صلاةِ الظُّهر إلى العَصْر، وقرأ صحيحَ مُسلمٍ في خمسةِ مَجالِسَ في نَحْوِ يومَيْنِ وشَطْرِ يومٍ، ومِنْ أَغْرَبِ ما وقَعَ له من الإسراعِ إسراعُهُ في وقتهِ الضيِّقِ في رحلتهِ الشامِيَّةِ فقرأَ فيها المعجمَ الصغيرَ للطبرانيّ في مجلسٍ واحدٍ فيما بينَ صلاةِ الظُّهر والعَصْر، وقرأ في مُدَّةِ إقامَتِه بدِمَشْقَ -وهي شَهْرَانِ وثُلثُ شهرٍ تقريبًا- قريبًا من مئةِ مُجلَّد مع ما يُعَلِّقُهُ.

المرحلةُ الثالثةُ: نبوغهُ في العِلْمِ وإمامَتهُ:

ويَرْجِعُ ذلكَ إلى عصْرٍ مُبَكِّرٍ نستطيعُ أنْ نُحَدِّدَهُ بحوالَيْ سَنَة ٨١٠ هـ فقَدْ تَصدَّرَ مجالِسَ العِلْمِ في فنون عدَّة، وأَفْتَى، وأَمْلَى الحديثَ ووُلِّىَ القضاء، وطارتْ شهرته بمعرفة فنون الحديث ولاسيما رجاله وما يتعلَّق بهم، وأسانيد الحديث، واشتَهرَ ذِكْرهُ وبَعُدَ صِيْتُه وارتحلَ الأئمةُ إليه، وتَبَجَّحَ الفُضَلاءُ بالوُفودِ عليه، وكثُرَتْ طَلَبَتُهُ حتى كان رؤوسُ العلماءِ في كلِّ مذهبٍ وكلِّ قُطْرٍ مِنْ تلامِذَتِه، وظَهَرَ سُلْطانُه عليهم بذكائه وشُفُوفِ نَظَرِه وسُرْعَةِ إِدْرَاكِهِ واستِحْضَارِهِ للأطْرَافِ المُتَفَرِّقةِ من المسألة، والأشتاتِ المُوَزَّعَةِ من أسانيد الحديث وشواهِدِه وأقوالِ العُلَماءِ فيه، ودَرَّسَ التفسيرَ والفِقْهَ والحديثَ في معاهِدَ عِلْمِيَّةٍ كثيرةٍ شهيرةٍ آنذاك، وتَوَلَّى الإفتاءَ بدار العَدْلِ، والخَطَابَةَ بالجامعِ الأزهرِ ثُمَّ جامعِ عَمْرو بنِ العاص، وأَمْلَى مِنْ حِفظِه ما يَنيفُ على ألفِ مجلسٍ من مَجالِسِ الحديثِ، وفوَّضَ إليه المَلِكُ المُؤيَّدُ القَضَاءَ بالدِّيارِ الشامِيَّة مِرارًا فأبى، ثُمَّ باشَرَ القضاءَ في مِصْرَ، وأصبح في مركز رئاسةِ القضاءِ، لكنَّه لم يَرْضَ عن هذا المَنْصبِ الدُّنيوي الذي كثيرًا ما يُضَحي أناسٌ لأحْقَرَ منه بنفيسِ

<<  <   >  >>