فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

من الشذر، وإن كان خلاف ذلك كان سيئ النظم، كذلك السلطان ينبغي أن يكون الأقرب فالأقرب إليه أهل العلم والعقل والأدب، والرأي والأصالة والشرف والحصافة وذوي الكمال من كل قبيلة، وإن كان على خلاف ذلك فهو نقص في التدبير وكما أن جمال العقد بواسطته، كذلك جمال الرعية بكمال سلطانهم وفضله وبراعته وعدله.

ومثل السلطان الجائر مثل الشوكة في الرجل، فصاحبها تحت ألم وقلق ويتداعى لها سائر الجسد، ولا يزال صاحبها يروم قلعها ويستعين وبما في ميسوره من الآلات والمناقيش والإبر على إخراجها، لأنها في غير موضعها الطبيعي ويوشك أن يقلع بالأجرة، فأين غرر الياقوت من شوك القتاد: وروى أبو داود أن خاتم دانيال النبي عليه السلام كان عليه منقوش صورة أسدين، وبينهما صورة دانيال وهما يلحسانه لئلا ينسى نعمة الله عليه.

[الباب الأربعون: فيما يجب على الرعية إذا جار السلطان]

اعلم أرشدك الله أن الزمان وعاء لأهله، ورأس الوعاء أطيب من أسفله كما أن رأس الجرة أروق وأصفى من أسفلها. فلئن قلت: إن الملوك اليوم ليسوا مثل الملوك الذين مضوا، فالرعية أيضاً ليسوا كمن مضى من الرعية. ولست بأن تذم أميرك إذا نظرت آثار من مضى منهم بأولى من أن يذمك أميرك إذا نظر آثار من مضى من الرعية، فإذا جار عليك السلطان فعليك الصبر وعليه الوزر. روى البخاري في صحيحه عن عبادة بن الصامت قال: بايعنا النبي صلى الله عليه وسلم فقال فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان. ومنه قال ابن عباس: من كره من أمير شيئاً فليصبر عليه، فإنه من خرج عن السلطان شبراً مات ميتة جاهلية وعنه في رواية أخرى: من فارق الجماعة شبراً فمات إلا مات ميتة جاهلية.

قال ابن مسعود: قال لنا النبي صلى الله عليه وسلم: إنكم سترون بعدي أثرة وأموراً تنكرونها. قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: أدوا إليهم حقوقهم واسألوا الله حقكم. وروى أبو داود في سننه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: سيأتيكم ركب مبغضون يطلبون منكم ما لا يجب عليكم فإذا سألوا ذلك فأعطوهم ولا تسبوهم وليدعوا لكم. وهذا حديث عظيم الموقع في هذا الباب، فندفع إليهم ما طلبوا من الظلم ولا ننازعهم فيه، ونكف ألسنتنا عن سبهم.

يا عبد الله لا تجعل سلاحك على من ظلمك الدعاء عليه ولكن الثقة بالله فلا محنة فوق محنة إبراهيم عليه السلام لما جعلوه في كفة المنجنيق ليقذف به في النار قال: اللهم إنك تعلم إيماني بك وعداوة قومي فيك فانصرني عليهم واكفني كيدهم. وقال مالك بن دينار: وجدت في بعض الكتب: يقول الله تعالى: إني أنا الله مالك الملك قلوب الملوك بيدي، فمن أطاعني جعلتهم عليهم رحمة، ومن عصاني جعلتهم عليهم نقمة فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك ولكن توبوا إلي أعطفهم عليكم. وفي بعض الكتب: ابن آدم تدعوا على من ظلمك ويعوا عليك من ظلمته، فإن شئت أجبت لك وأجبت عليك، وإن شئت أخرت الأمر إلى يوم القيامة فيسعكم العفو. وقال سليمان بن داود عليه السلام: لا تجعل ملجأك في الأعداء المكافأة ولكن الثقة بالله. وروى أبو داود في السنن قال: سرقت ملحفة لعائشة رضي الله عنها، فجعلت تدعوه على من أخذها فسمعها النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ألا تستحي؟ يعني ألا تخففي عنه فنهاها عن الدعاء على الظالم كما ترى فإذا قال المظلوم في دعائه: اللهم لا توفقه فقد دعا على نفسه وعلى سائر الرعية، لأنه من قل توفيقه ظلمك ولو كان موفقاً ما ظلمك، فإن استجيب دعاؤك فيه زاد ظلمه لك. ومن الألفاظ المروية عن سلف هذه الأمة قولهم: لو كانت عندنا دعوة مستجابة ما جعلناها إلى في السلطان. وقال الفضيل:

<<  <  ج: ص:  >  >>