فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم

ولا سراة إذا جهالهم سادوا

وقال مردك الفارسي: خلتان في السلطان أقرب إلى صلاح الرعية مما سواهما: ثقة الرأي وشدة الرحمة. وما أحق بالسلطان أن يسلك بالرعية كل سبيل يصلحون عليه ويسودون معه، فحينئذ يكون رئيس الرؤساء وأميراً على السادة والفضلاء، وإن أهملهم في ركوب شهواتهم وتوسط لذاتهم، ذهبت أديانهم وسقطت مروآتهم وبقوا كما جاء في المثل في الجماعة المذمومة تقول العرب في القوم لا رؤساء فيهم ولا سراة بينهم: هم سواسية كأسنان الحمار وتقول سواسية كأسنان المشط؛ وفيهم يقول الشاعر:

سواسية كأسنان الحمار أما ترى

لذي شيبة منهم على ناشئ فضلا

ولئن تكون أميراً على الفضلاء والرؤساء خير من أن تكون أميراً على الأخساء والدمادية والغوغاء والدناة. وقد قال عبد الملك بن مروان يوماً وقد استقام له الأمر: من يعذرني من عبد الله بن عمر، فإنه أبى أن يدخل في سلطاني؟ فقال له بعض جلسائه: تستحضره وتضرب عنقه وتستريح منه! فقال عبد الملك: ويلك! إذا قتلت ابن عمر على من أكون أميراً؟ ولما سار داود إلى الحجاز في الدولة العباسية ليقتل من هناك من بني أمية، قال له عبد الله بن الحسين: يا ابن عم إذا أسرعت في قتل أكفائك فمن تباهي بسلطانك؟ اعف يعف الله عنك! فعفا.

وقال أرسطاطاليس للأسكندر: استصلح الرعية وأذهب شرهم تكن رئيس الأخيار الممدوحين، ولا تكن رئيس الأشرار المذمومين فتكون كراعي البقر. ولما استولى تبع على ملك الهند قال له: قد وهبتك لقومك ووهبتهم لك، فأنزلهم منازلهم وبلغهم مراتبهم، فكا أمة لم تبلغ مراتبها وغلت صدورها وغلت قلوبها فاستحقت فتكها، وهان عليها أعمارها وملك أمورها شرارها، وأنت أعلم بهم، فمن أطناب المملكة وقواعدها أن لا يسلب رئيس رياسته ويبقي على كل ذي عز عزه، ويولي كل ذي منزلة منزلته فحينئذ يأمن من نوائب الأعداء التي هي نتائج الضغائن والأحقاد.

[الباب الثالث والأربعون: فيما يملك السلطان من الرعية]

كتب أرسطا إلى الإسكندر: املك الرعية بالإحسان تظفر منهم بالمحبة، فإن طلب ذلك منهم بالإحسان هو أدوم بقاء منهم بالاعتساف. واعلم أنك إنما تملك الأبدان فتتخطاها إلى القلوب بالمعروف، واعلم أنه إذا عدل السلطان ملك قلوب الرعية، وإذا جار لم يملك منهم إلا التصنع والرياء. وفي سير المتقدمين: قلوب الرعية خزائن ملوكها، فما أودعوها من شيء فليعملوا أنه فيها. واعلم أن الرعية إذا قدرت على أن تقول قدرت على أن تفعل، فاجتهد أن لا تقول تسلم من أن تفعل. وليس هذا خلاف ما روي عن معاوية أن رجلاً أغلظ له، فحلم عليه فقيل له: أتحلم على مثل هذا؟ فقال: إني لا أحول بين الناس وألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين سلطاننا، وذلك تفسير قوله فاجتهد أن لا تقول يعني إذا عدلت تكلموا بشيء.

وهذه السيرة أحسن من سيرة أزدشير، لما رفع إليه جماعة من بطانته قد فسدت نياتهم، فوقع: نحن معاشر الملوك إنما نملك للأجساد لا النيات، ونحكم بالعدل لا بالرضى ونفحص عن الأعمال لا عن السرائر. قلت: وإنما تحسن هذه السيرة لمن عجز عن الأولى، لأن ملك الأجساد قد يكون بالعدل، وأين هذا من قوله وقد رفع إليه: إنك ركبت أمس في عدة قليلة وتلك حالة لا يؤمن اغتيال الأعداء فيها! فوقع: من عم إحسانه أمن أعداءه وما أحسن ما قال عبد الملك بن مروان: يا أهل الشام إنما أنا لكم كالظليم الرائح على فراخه ينفي عنها القذر، ويباعد عنهم الحجر ويكنهم من المطر، ويحميهم من الضباب ويحرسهم من الذئاب، يا أهل الشام أنتم الجنة والرداء وأنتم العدة والفداء! وقالت العجم: أسوس الملوك من قاد رعيته إلى طاعته بقلوبها. ولا ينبغي للوالي أن يرغب

<<  <  ج: ص:  >  >>