للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

يا خليفة رسول الله إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لي: لو جاءني مال أعطيتك هكذا وهكذا، وأشار بكفيه فسكت أبو بكر فانصرفت ثم عاودته فقلت: إما أن تعطيني وإما أن تبخل عني. فقال: ما أبخل عنك اذهب فخذ! فذهبت فحفنت حفنة قال: عدها فعددتها فوجدتها خمسمائة دينار. قال: عد مثليها فعددت مثليها فانصرفت بألف وخمسمائة دينار. وأبو أيوب من أغنياء الأنصار وهو نزيل النبي صلى الله عليه وسلم. دل الحديث على أن بيت المال للغني والفقير. ودل أيضاً على أنه لا يجب أن يساوى فيه بين جميع المسلمين بل ذلك موكول إلى اجتهاد الإمام. والدليل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له العباس: أعطني من هذا المال الذي عندك. قال: اذهب فخذ. فبسط ثوبه وحثى فيه فلما جاء ليحمله عجز عنه فقال: يا رسول الله احمله علي. قال: لا! قال: مر من يحمله علي. قال: لا! فنثر منه ثم جاء ليحمله فعجز عنه فقال: يا رسول الله احمله علي. قال: لا! قال: مر من يحمله علي. قال: لا! فنثر منه ثم حمله على عاتقه فأتبعه النبي صلى الله عليه وسلم بصره حتى غاب عنه.

فصل

قال الحسن بن علي الأسدي: أخبرني أبي قال: وجدت في كتاب قبطي باللغة الصعيدية مما نقل بالعربية أن مبلغ ما كان يستخرج لفرعون يوسف عليه السلام من أموال مصر بحق الخراج، مما يؤخذ من وجوه الجبايات لسنة واحدة على العدل والإنصاف والرسوم الجارية من غير اضطهاد ولا مناقشة، وبعد وضع ما يجب وضعه لحوادث الزمان نظراً للمعاملين وتقوية لحالهم من الذهب العين، أربعة وعشرون ألف ألف وأربعمائة ألف دينار. من ذلك ما ينصرف في عمارة البلاد كحفر الخلجان والإنفاق على الجسور وسد الترع وإصلاح السبل، وفي تقوية من يحتاج إلى التقوية من غير رجوع عليه بها لإقامة العوامل والتوسعة في البدار، وغير ذلك من الآلات وأجرة من يستعان به لحمل البذر، وسائر نفقات تطريق الأرض ثمانمائة ألف دينار.

ولما ينصرف في أرزاق الأولياء المرسومين بالسلاح وحملته من الشاكرية والغلمان وأشياعهم، وعدة جميعهم مع ألف كاتب مرسومين بالدواوين سوى أتباعهم من الخزان، ومن يجري مجراهم وعدتهم مائة ألف وإحدى عشر ألف رجل من العين، ثمانية آلاف دينار. ولما يصرف للأرامل والأيتام فرضاً لهم من بيت المال، وإن كانوا غير محتاجين حتى لا يخلو أمثالهم من بر فرعون، أربعمائة ألف دينار. ولما يصرف في كهنة برايهم وسائر بيوت صلواتهم مائتا ألف دينار.

ولما يصرف في الصدقات وينادي منادي برئت الذمة من رجل كشف وجهه لفاقة إلا حضر، فيحضر لذلك من يحضر فلا يرد واحداً والأمناء جلوس، فإذا رأوا إنساناً لم يجر رسمه أفرد بعد قبض ما يقبضه حتى إذا فرق المال واجتمع من هذه الطائفة عدد، دخل أمناء فرعون إليه وهنوه بتفرقة المال ودعوا له بطول البقاء ودوام العز والسلامة، وأنهوا إليه حال تلك الطائفة فيأمر بتغيير شعثها بالحمام واللباس، ثم يمد السماط فيأكلون بين يديه ويشربون ويستعلم من كل واحد سبب فاقته، فإن كان ذلك من آفة الزمان رد عليه مثل ما كان له وأكثر، وإن كان عن دعوة سوء رأي وتدبير غير مستقيم ضمه إلى من يصرف عليه ويأخذه بالأدب والمعرفة، إلى أن يصلح من العين مائتي ألف دينار.

ولما يصرف في نفقات فرعون الراتبة لسنته مائتا ألف دينار، تكون النفقات على ما تقدم تفصيلها تسعة آلاف ألف وثمانمائة ألف دينار، ويحصل بعد ذلك ما يتسلمه يوسف الصديق عليه السلام ويحصله لفرعون في بيت المال لنوائب الزمان أربعة عشر ألف ألف دينار وستمائة ألف دينار.

وقال أبو رهم: كانت أرض مصر أرض مدبرة حتى إن الماء ليجري من تحت منازلها وأفنيتها فيحبسوه كيف شاءوا ويرسلوه كيف شاءوا، وذلك قول فرعون: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي} (الزخرف: ٥١) وكان ملك مصر عظيماً لم يكن في الأرض ملك أعظم منه وكانت الجنات بحافتي النيل لا ينقطع منها شيء عن شيء، والزروع كذلك من أسوان إلى رشيد.

وكانت أرض مصر كلها

<<  <   >  >>