فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال: فافعل. فكتب إلى وكلائه ببغداد أن يمكنوه من الأموال، فابتاع بقعة على شاطئ دجلة وخط المدرسة النظامية وبناها أحسن بنيان، وكتب عليها اسم نظام الملك وبني حولها أسواقاً تكون محبسة عليها، وابتاع ضياعاً وخانات وحمامات ووقفت عليها، فكملت لنظام الملك بذلك رياسة وسؤدد وذكر جميل طبق الأرض خبره، وعم المشارق والمغارب أثره، وكان ذلك في سني عشر الخمسين وأربعمائة من الهجرة.

ثم رفع حساب النفقات إلى نظام الملك فبلغ ما يقارب ستين ألف دينار، ثم نمى الخبر إلى نظام الملك من الكتاب وأهل الحساب أن جميع ما أنفق نحو تسعة آلاف دينار، وأن سائر الأموال احتجها إلى نفسه وخانك فيها فدعاه نظام الملك إلى إصبهان للحساب. فلما أحس أبو سعيد بذلك أرسل إلى الخليفة أبي العباس يقول له: هل لك في أن أطبق الأرض بذكرك وأنشر لك فخراً لا تمحوه الأيام؟ قال: وما هو؟ قال: أن تمحو اسم نظام الملك عن هذه المدرسة وتكتب اسمك عليها وتزن له ستين ألف دينار فأرسل إليه الخليفة يقول: أنفذ من يقبض المال. فلما استوثق منه مضى إلى إصبهان فقال له نظام الملك إنك رفعت لنا نحواً من ستين ألف دينار وأحب أن تخرج الحساب. فقال له أبو سعيد: لا تطل الخطاب، إن رضيت فبها وإلا محوت اسمك المكتوب عليها وكتبت عليها اسم غيرك فأرسل معي من يقبض المال.

فلما أحس نظام الملك بذلك قال: يا شيخ قد سوغنا لك جميع ذلك ولا تمح اسمنا. ثم إن أبا سعيد بنى بتلك الأموال الرباطات للصوفية واشترى الضياع والخانات والبساتين والدور، ووقف جميع ذلك على الصوفية فالصوفية إلى يومنا هذا في رباط أبي سعيد الصوفي وأوقافه يتقلبون ببغداد. ففي مثل هذه المناقب فليتنافس المتنافسون ولمثلها فليعمل العاملون، فإن فيها عز الدنيا وشرف الآخرة وحسن الصيت وخلود جميل الذكر، فإنا لم نجد شيئاً يبقى على الدهر إلا الذكر حسناً كان أو قبيحاً. وقد قال الشاعر:

ولا شيء يدوم فكن حديثاً

جميل الذكر فالدنيا حديث

فانتهز فرصة العمر ومساعدة الدنيا ونفوذ الأمر، وقدم لنفسك كما قدموا وتذكر بالصالحات كما ذكروا وادخر لنفسك كما ادخروا. واعلم أن المأكول للبدن والموهوب للمعاد والمتروك للعدو، فاختر أي الثلاثة شئت والسلام. وفي مثله يقول أبو القاسم الحريري صاحب المقامات:

مالك من مالك إلا الذي

قدمت فابذل طائعاً مالكاً

تقول أعمال ولو فتشوا

رأيت أعمالك أعمى لكا

وكان ابن أبي داود الوزير واسع النفس مبسوط اليدين، يعطي الجزيل ويستقل الكثير ولا يرد سؤالاً ويبتدي بالنوال، فقال له الواثق أمير المؤمنين يوماً: قد بلغني بسط يدك بالعطاء وهذا يتلف بيوت الأموال. فأطرق ساعة ثم رفع رأسه فقال: يا أمير المؤمنين ذخائر أجرها واصل إليك ومفاتيح شكرها موصول بك، وإنما لي من ذلك محبتي في إيصال الثناء إليك! فقال الواثق بالله: أنت جد بالعطاء وأكثر الشكر والثناء والله أعلم.

[الباب التاسع والأربعون: في سيرة السلطان في الإنفاق من بيت المال وفي سيرة العمال]

أعلم أن يوسف الصديق عليه السلام لما ملك خزائن الأرض كان يجوع ويأكل الشعير فقيل له: تجوع وبيدك خزائن الأرض! فقال أخاف أن أشبع فأنسى الجائعين. وروى البهيقي قال: لما استخلف أبو بكر الصديق غدا إلى السوق فقال له عمر بن الخطاب: أين تريد؟ قال: السوق. قال: قد جاءك ما شغلك عن السوق. قال: سبحان الله يشغلني

<<  <  ج: ص:  >  >>