فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عليهما الصلاة والسلام: ما ملاقاة لبوة سلبت أشبالها بأصعب من ملاقاة جاهل راض عن نفسه.

[الباب الثالث والخمسون: في بيان الشروط والعهود التي تؤخذ على العمال]

اعلم أرشدك الله تعالى أنه تولى الأعمال أهل الحزم والكفاية والصدق والأمانة، وتكون التولية للغنى لا للهوى، وملاك الولايات كلها وأساسها إن لا تولى الأعمال طالباً لها ولا راغباً فيها. وروى البخاري في صحيحه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ومعي رجل، فلما سلمنا عليه قال صاحبي: يا رسول الله استعملني. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنا لا نستعمل على عملنا من أراده. فقلت: يا رسول الله والذي بعثك بالحق ما علمت ما في نفسه. وقد روى عن بزرجمهر أنه قيل له: ما بال ملك آل ساسان صار أمره إلى ما صار إليه؟ قال: لأنهم قلدوا كبار الأعمال صغار الرجال. والله در عمرو بن العاص حيث قال: موت ألف من العلية أقل ضرراً من ارتفاع واحد من السفلة. وقال رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لرجل قد أذاه: أدركتك دولة إمرة الصبيان! وقال المعلى بن أيوب: غضب المأمون على بعض أصحابه غضباً شديداً فقال له: لا أماتك الله أو يبلغك دولة السفلة! وقال المستوعر الأكبر وقد كان عمر في الجاهلية ثلثمائة سنة:

وما سقطت يوماً من الدهر أمة

من النذل إلا أن يسود دميمها

إذا ساد فيها الفساد بعد ذل لئيمها

تصدى لها ذل وقد أديمها

وما قادها للخير إلا مجرب

عليم بإقبال الأمور كريمها

وما كل ذي لب يعاش بفضله

ولكن لتدبير الأمور حكيمها

اعلموا أن معظم ما يدخل على الدول من الفساد هو من تقليد الأعمال أهل الحرص عليها. لأنه لا يخطبه إلا لص في ثوب ناسك وذئب في مسلاخ عابد، أو حريص على جمع الدنيا نابذ لدينه ومروته، فيبتغي عرض الحياة الدنيا وقد سبق المثل: الحرص على الأمانة دليل على الخيانة، يتخذون عباد الله خولا وأموالهم دولا، وإذا اهتضمت حقوق المسلمين وأكلت أموالهم فسدت نياتهم وقلت طاعتهم، فانتقضت الأمور ودب الفساد إلى الممالك، وقد ذكرنا في أول الكتاب الآثار في كراهية الولايات، وقال المأمون ما فتق علي قط فتق في مملكتي إلا وجدت سببه جور العمال.

ولما قدم رسول ملك غزنة على عضد الدولة بويه الديلي، وقضى الرسالة وأراد الانصراف قال لعضد الدولة: ما أقول لأخيك؟ قال: قل له جئتك من عند سلطان يظلم وحده. فإن قيل: فما معنى قول يوسف عليه السلام: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} (يوسف: 55)

. قلنا: يوسف عليه الصلاة والسلام كان نبياً من أنبياء الله تعالى، واثقاً بنفسه بالأمانة والكفاية بين يدي من لا يتحقق بواطن أسرار ولا يعلم خصائصه وفضائله، ويرى الأمور والأعمال والولايات ضائعة في أيدي من ليس لها أهلاً، ويجوز مثل هذا اليوم لمن حصل بين يدي جبار لا يعلم منزلته ولا ما عنده من الخصال والفضائل أن يذكر له بعض ما يعلم من نفسه ليعلم قدره فيسلم بذلك من شره. وعن هذا قال بعض أصحاب الشافعي رضي الله عنه إذا كان القضاء في يد من لا يصلح له وجب أن يخطبه من يصلح له وكان ذلك فرضاً عليه. وفقهاء الأمصار على خلاف ذلك الرأي، ويحتمل أن يكون يوسف عليه السلام قد أوحى الله إليه بما يصير أمره إليه من الملك والعدل ونشر كلمة الإسلام، فلهذا نبه على نفسه.

ومن عجيب ما يروى في هذا الباب أن لقمان الحكيم كان عبداً أسود نوبيا غليظ الشفتين مصفح القدمين لامرأة من بني الحسحاس، وكان جليساً لداود عليه السلام، فأتاه جبريل عليه السلام بالنبوة من عند الله تعالى الذي يصطفي لنبوته من يشاء فقال لقمان:

<<  <  ج: ص:  >  >>