فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

تقول في الترس؟ قال: هو الدائرة وعليه تدور الدوائر قال: فما تقول في السيف؟ قال: ذاك لأعدائك. وكان عمرو هذا من شجعان العرب وأبطالها، نزل يوم القادسية على النهر فقال لأصحابه: إني عابر على الجسر فإن أسرعتم مقدار جزر الجزور، وجدتموني وسيفي بيدي أقاتل به تلقاء وجهي، وقد عقرني القوم وأنا قائم بينهم. وإن أبطأتم وجدتموني قتيلاً بينهم. ثم حمل على القوم فانغمس فقال بعضهم لبعض: يا بني زبيد علام تدعون صاحبكم؟ والله ما نظن أن تدركوه حياً فحملوا فانتهوا إليه وقد سرع عن فرسه وقد أخذ برجل فرس رجل من العجم فأمسكها، وإن الفارس ليضربه وما يقدر الفرس أن يتحرك، فلما غشيناه رمى الرجل بنفسه وخلى فرسه فركبه عمرو وقال: أنا أبو ثور كدتم والله تفقدونني! قالوا: أين فرسك؟ قال: رمي بنشابة فغار وشب فصرعني.

ويروى أن عمراً حمل يوم القادسية على رستم، وهو الذي كان قدمه يزدجرد ملك الفرس يوم القادسية على قتال المسلمين فاستقبله عمرو وكان رستم على فيل فجذب عرقوبه فسقط رستم وسقط الفيل عليه، مع خرج كان فيه أربعون ألف دينار، فقتل رستم وانهزمت العجم. ويروى أن قاتل رستم زنيم بن عمرو. وأما الضربة التي حكيناها التي جاوزت ثلث البيضة بما حوته من الرأس، فلم يسمع بمثلها في جاهلية ولا إسلام، فحملتها الروم وعلقتها في كنيسة لهم، وكانوا إذا عيروا بانهزام يقولون: لقينا أقواماً هذا ضربهم! فترحل أبطال الروم ليروها، وإنما كانت العرب تفخر في هذا الباب بقول النمر بن تولب يصف ضربة بسيف:

أبقى الحوادث والأيام من نمر

إسناد سيف قديم إثره بادي

يظل يحفر عنه إن ضربت به

بعد الذراعين والقيدين والهادي

وينشد قول النابغة في السيف أيضاً:

بعد السلوقي المضاعف نسجه

وتوقد بالصفاح نار الحباحب

وأين هذا ممن قد بيض الحديد بما حواه من الرأس؟ وأين الثريا من الثرى وأين الحسام من المنجل؟ ولولا كراهية التطويل لذكرنا من أمثال هذا الباب ما فيه العجب. وقد قالوا: السيف ظل الموت. والسيف لعب المنية. والرمح رشاء المنية. والسهام رسل لا تستأمر من أرسلها. والرمح أخوك وربما خانك. والدرع مشغلة للرجل متبعة للفارس، وإنها لحصن حصين. والترس مجن وعليه تدور الدوائر.

[الباب الحادي والستون: في ذكر الحروب وحيلها وتدبيرها وأحكامها]

ومن حزم الملك أن لا يحتقر عدوه وإن كان صغيراً، ولا يغفل عنه وإن كان حقيراً، فكم من برغوث أسهر فيلاً ومنع الرقاد ملكاً جليلاً قال الشاعر:

ولا تحقرن عدواً رماك

وإن كان في ساعديه قصر

فإن السيوف تحز الرقاب

وتعجز عما تنال الإبر

وفي الأمثال: لا تحرقن الذليل فربما شرق بالذباب العزيز، ومثل العدو مثل النار إن تداركت أولها سهل إطفاؤها، وإن تركت حتى استحكم ضرامهاً صعب مرامها وتضاعفت بليتها. ومثاله أيضاً مثال الجرح الرديء، إن تداركته سهل برؤه، وإن أغفلته حتى نغل عظمت بليته وأعجز الأطباء برؤه. واعلموا أن الناس قد وضعوا تدبير الحروب كتبا ورتبوا فيها ترتيبا ولا يسع سائر أهل الأقاليم، إن لكل أمة نوعا من التدبير وصنفاً من الحيلة، وضربا من المكيدة وجنساً من اللقاء والكر والكفر، وتعبية المواكب وحمل بعضهم على بعض، ولكن نصف

<<  <  ج: ص:  >  >>