فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ثمارها، فجاءت على أتم طباعها كبراً وطعماً ولوناً ورائحة، فتقوت بها العباد وأكلت حطامها البهائم والحشرات، وسقط عليها الطير فأحرز كل منها قوته، واستقام النظام. وإن كان في حواشي الأرض ما يدق عن الإنبات والنفع ويكدي عن الزكاة والريع، أو كان فيه من الشجر ما يندر حمله ويقل ريعه، أعطى كل ذلك الغاية من نفسه وأطلع ما في قواه ولم يغادر ممكناً إلا وافاه، وإن كان في العين كدر أو فساد أو ملح شربتها الأشجار كذلك، ففسد مزاجها وأضر الجزء الفاسد بالطيب، فرقت سوقها وضعفت أغصانها وتغيرت أوراقها، وقلت أزهارها وثمارها ودخل الفساد على جميع ذلك، فجاءت الثمرة وهي نزر قدرها ردىء طعمها كاسف لونها، فدخل بذلك من النقص على جميع الحيوان مثل ما دخل عليهم من المنافع في الأولى، ولهذا قال الرسول عليه السلام: إن الضب ليموت في حجره هزالاً من ظلم بني آدم، يعني إذا كثرت المعاصي في الأرض حبست في السماء غياثها ومنعت الأرض نباتها، فهلك الهوام والدواب والحشرات.

[الباب العاشر: في معرفة خصال ورد الشرع بها فيها نظام الملك والدول]

وهي ثلاثة: اللين وترك الفظاظة والمشاورة، وأن لا يستعمل على الأعمال والولايات راغب فيها ولا طالب لها. ولما علم الله تعالى ما فيها من انتظام الملة واستقامة الأمر نص عليها الله سبحانه ورسوله. اعلم أن هذه الخصال من اساس الممالك وقل من يعمل بها من الملوك، اثنتان نزلتا من السماء وواحدة قالها الرسول صلى الله عليه وسلم: أما الإلهية فقال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} (آل عمران: 159)

وفي الآية إشارتان: إحداهما أن الفظاظة تنفر الأصحاب والجلساء وتفرق الجموع والحشم، وإنما الملك ملك بجلسائه وأصحابه وأتباعه وحشمه. وأخلق بخصلة تنفر الأولياء وتطمع الأعداء، فقمن بكل سلطان رفضها والاحتراز من سوء مغبتها، ولتكن كما قال الله: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (الشعراء: 215) . وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان جالساً مع أصحابه، فجاء رجل فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟ فقالوا: هذا الأبيض المتكئ. فقال الرجل: يا ابن عبد المطلب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد أجبتك! دل الأثر على أنه ما استأثر بشرف المجلس ولا باينهم بزي ولا مقعد.

وقد يبلغ باللين ما يبلغ بالغلظة. ألا ترى أن الرياح تهول أصواتها فيتداخل لها الشجر وتنعطف الأفنان والأغصان، وفي الفرط تنكسر الأغصان، والماء بلينه في أصول الشجر يقلعها من أصلها. وإذا كانت الحية مع صعوبتها وسمها وتغيبها في حجرها ترقى بالكلام حتى تستعطف فتخرج، فالإنسان أحرى أن يستمال بلين القول وحسن المنطق، فإذا أردت أن تنتقم ممن يسيء إليك فكافئه بكل كلمة سوء قالها كلمة جميلة وحسن ثناء عليه.

والإشارة الثانية أنه قال: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} (آل عمران: الآية159) . فإذا قيل لنا: كيف يشاورهم وهو نبيهم وإمامهم، وواجب عليهم مشاورته وأن لا يفصلوا أمراً دونه؟ قلنا: هذا أدب أدب الله به نبيه عليه السلام، وجعله مأدبة لسائر الملوك والأمراء والسلاطين. لما علم الله تعالى ما في المشاورة من حسن الأدب مع الجليس ومساهمته في الأمور، فإن نفوس الجلساء والنصحاء والوزراء تصلح عليه وتميل إليه وتخضع عنوة بين يديه، شرعه لنبيه صلى الله عليه وسلم ولذي الإمرة من أهل ملته.

<<  <  ج: ص:  >  >>