فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

نرغب في الحيلة ونوصي بها. والإتساع في الحيلة مما تواصى به العقلاء قديماً وحديثاً، وليس شيء من أمور الدنيا لطالب الرفعة وباغي الوسيلة، ومرتاد أي أمر كان، دق أو جل، خير من الحيلة. وأضعف الحيلة أنفع من كثرة الشدة. وقالت الحكماء: ملاك العقل الحيلة والتأني للسبب الضعيف والقوي من الأمور. وروي أن رجلاً وقف بكسرى فقال: أنا أصنع ما تعجز الخلائق عنه. قال: ما هو؟ قال: تشد برجلي حبلاً طرفه برقبة فيل وبرجلي الأخرى كذلك، ويشد طرفه برقبة فيل ثم تساق الفيلة بالزجر والضرب فلا أتزحزح. ثم تعاطى أن يفعل ذلك بأربعة من الفيلة فمرت بحدتها فقسمته شطرين، فقال كسرى: من لم يكن أكبر ما فيه عقله هلك بأصغر ما فيه؛ فنظمه بعض الشعراء فقال:

من لم يكن أكبره عقله

أهلكه أصغر ما فيه

وسمعت القاضي أبا الوليد يحكي أن رجلاً استأذن هارون الرشيد فقال: إني أصنع ما تعجز الخلائق عنه. فقال الرشيد: هات. فأخرج أنبوبة فصب فيها عدة إبر ثم وضع واحدة في الأرض وقام على قدميه، وجعل يرمي إبرة إبرة من قامته فتقع كل إبرة في عين الإبرة الموضوعة حتى فرغ دسته. فأمر الرشيد بضربة مائة سوط ثم أمر له بمائة سوط ثم أمر له بمائة دينار، فسئل عن جمعه بين الكرامة والهوان فقال: وصلته لجوده ذكائه وأدبته لكي لا يصرف فرط ذكائه في الفضول. ومن زعم أن العقل المكتسب إذا تناهى لا يكون فضيلة، قال لأن الفضائل هبات متوسطة بين الفضيلتين ناقصتين، فما جاوز التوسط خرج عن حد الفضيلة، كالكرم الذي هو متوسط بين البخل والتبذير، والشجاعة وسط بين التهور والجبن.

وقالت الحكماء للإسكندر: أيها الملك عليك بالاعتدال في كل الأمور فإن الزيادة عيب والنقصان عجز. وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خير الأمور أوسطها. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: خير الأمور الأوسط، إليه يرجع العالي ومنه يلحق التالي. قالوا: ولأن زيادة العقل تفضي بصاحبها إلى الدهاء والمكر، وذلك مذموم. قلنا: هذا كله باطل بما قدمناه لنصرة القول الأول، وهو منقوض بالعقل الغريزي وبالعلوم وسائر الفضائل. وأما قولهم بأنه يقضي بصاحبه إلى الدهاء والمكر. قلنا: الدهاء والمكر كسب معان أخر غير العقل ليست من لوازم العقل، فإن شاء تداهى ومكر وإن شاء كف، كما تقول في كل شر يكتسبه العاقل باختياره: ليس عقله أوقعه فيه بل إنما أوقعه فيه قلة عقله. وكان بزرجمهر لما فرغ من كتاب أمثاله، ونسق كل باب على حياله يقول: ليس العجب ممن حفظ هذه الأمثال فصار عالماً، إنما العجب ممن حفظها ولم يصر عالماً. وأنا أقول: ليس العجب ممن قرأ كتابي هذا وصار مهذباً كاملاً إنما العجب ممن قرأه ولم يصر مهذباً كاملاً.

[الباب الرابع والعشرون: في الوزراء وصفاتهم]

قال الله تعالى في قصة موسى عليه السلام: {وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي} (طه: 29) . فلو كان السلطان يستغني عن الوزراء لكان أحق الناس بذلك كليم الله موسى بن عمران. ثم ذكر حكمة الوزراء فقال: {اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي*وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي} (طه32: 31) . دلت هذه الآية على أن موضع الوزير أن يشد قواعد المملكة وأن يفضي إليه السلطان بعجز ونحوه إذا استكملت فيه الخصال المحمودة. ثم قال: {كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً*وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً} (طه34: 33) . دلت هذه الكلمة على أن بصحبة العلماء والصالحين وأهل الخبرة والمعرفة

<<  <  ج: ص:  >  >>