فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

معاوية أمر له بمائة ألف درهم، فلما أراد الانصراف رأى في الطريق جارية بأربعين ألف درهم، فرجع إلى معاوية فأخبره. قال: وما تصنع بها؟ قال: تلد لي غلاماً فإن أغضبتني يضرب مفرقك بالسيف. فأمر له بها فابتاعها فولدت له مسلم بن عقيل، ثم قدم مسلم إلى الشام فابتاع منه معاوية ضيعة، فبلغ الحسين بن علي الخبر فكتب إلى معاوية: إني لا أجيز بيع مسلم! فأرسل معاوية إلى مسلم فقال: هذا كتاب الحسين يأمر برد المال. فقال مسلم: أما دون أن أضرب مفرقك بالسيف فلا! فضحك معاوية وقال: والله لقد تهددني أبوك بذلك قبل أن يشتري أمك، وسوغه المال. فقال الحسين حين بلغه ذلك: غلبنا معاوية جوداً وحلماً!

[الباب السابع والعشرون: في المشاورة والنصيحة]

وهذا الباب مما يعده الحكماء من أساس المملكة وقواعد السلطنة، ويفتقر إليه الرئيس والمرؤوس. وقد ذكرنا في باب الخصال الفرقانية ونذكر ههنا فوائدها ومحاسنها. اعلموا أن المستشير وإن كان أفضل رأياً من المشير فإنه يزداد برأيه رأياً، كما تزداد النار بالسليط ضوءاً، فلا تقذفن في روعك أنك إذا استشرت الرجال ظهر للناس منك الحاجة إلى رأي غيرك، فيمنعك ذلك عن المشاورة، فإنك لا تريد الرأي للفخر به ولكن للانتفاع به، وإن أردت الذكر كان أفخر لذكرك وأحسن عند ذوي الألباب لسياستك أن يقولوا: لا ينفرد برأيه دون ذوي الرأي من إخوته. ولا يمنعك عزمك على إنفاذ رأيك وظهور صوابه لك عن الاستشارة، ألا ترى أن إبراهيم الخليل عليه السلام أمر بذبح ابنه عزمة لا مشورة فيها، فحمله حسن الأدب وعلمه بموقعه في النفوس على الاستشارة فيه، فقال لابنه: {يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى} (الصافات: 102) . وهذا من أحسن ما يرسم في هذا الباب.

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: الرأي الفرد كالخيط السحيل، والرأيان كالخيطين والثلاثة الآراء كالثلاثة لا تكاد تنقطع. وروي أن رومياً وفارسياً تفاخرا. فقال الفارسي: نحن لا نملك علينا من يشاور. وقال الرومي: ونحن لا نملك علينا من لا يشاور. وقال بزرجمهر: إذا أشكل الرأي على الحازم كان بمنزلة من أصل لؤلؤة فجمع ما حول مسقطها فالتمسها فوجدها، كذلك الحازم بجمع وجوه الرأي في الأمر المشكل ثم يضرب بعضها ببعض حتى يخلص له الصواب. وكان يقال: من كثرت استشارته حمدت إمارته. وفي حكم الهند قال بعض الملوك: إن الملك الحازم يزداد برأي الوزراء الحزامة، وكما يزداد البحر بمواده من الأنهار، وينال بالحزم والرأي ما لا يناله بالقوة والجند، ولم تزل حزمة الرجال يستحلون مرائر قول النصحاء، كما يستحلي الجاهل المساعدة على الهوى.

قال المأمون لطاهر بن الحسين: صف لي أخلاق المخلوع، يعني أخاه الأمين. فقال: كان واسع الصدر ضيق الأدب، يبيح من نفسه ما تأباه همم الأحرار ولا يصغي إلى نصيحة ولا يقبل مشورة، يستبد برأيه فيرى سوء عاقبته ولا يردعه ذلك عما يهم به. قال: فكيف كانت حروبه؟ قال: يجمع الكتائب بالتبذير ويفرقها بسوء التدبير. فقال المأمون: لذلك ما حل محله. أما والله لو ذاق لذاذة النصائح، واختار مشورات الرجال وملك نفسه عند شهوتها ما ظفر به. وقال بعضهم: إنفاذ الملك الأمور بغير روية كالعبادة بغير نية، ولم تزل العقلاء على اختلاف آرائهم يشهدون العيوب، ويستشيرون صواب الرأي من كل أحد حتى الأمة الوكعاء.

هذا وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: رحم الله امرأً أهدى إلي عيوبي. وكان يقال: من أعطي أربعاً لم يمنع أربعاً: من أعطي

<<  <  ج: ص:  >  >>