فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ما أكرهه، فإن الرجل لا ينصح أخاه حتى يقول له في وجهه ما يكرهه. وقال مالك: النصيحة لله في أرضه هي التي بعث الله بها أنبياءه، ومن أمر الإسلام القصد والنصيحة لعباد الله في أمورهم، والنفوس مستثقلة للنصح نافرة عن أهله مائلة إلى ما وافق هواها. وفي منثور الحكم: ودك من نصحك وقلاك من مشى في هواك. وكان يقال: أخوك من احتمل ثقل نصيحتك. وقال بعضهم:

عرضت نصيحةً مني لمزيدٍ

فقال: غششتني والنصح مر!

وما لي أن أكون نصحت زيداً

وزيد طاهر الأثواب بر

ولكن قد أتاني أن زيداً

يقال عليه في نقعاء شر

فقلت له: تجنب كل شيء

يقال عليك إن الحر حر

وقال آخر:

وعلى النصوح نصيحتي

وعلي عصيان النصوح

وقال القطامي:

ومعصية الشفيق عليك مما

يزيدك مرة منه استماعا

وخير الأمر ما استقلت منه

وليس بأن تتبعه اتباعا

وقال ورقاء بن نوفل:

لقد نصحت لأقوام وقلت لهم:

أنا النذير فلا يغرركم أحد!

لا شيء مما ترى تبقى بشاشته

إلا الإله ويودي المال والولد

لم تغن عن هرمز يومأً خزائنه

والخلد قد حاولت عاداً فما خلدوا

وقال ابن وهب: إنما يحسن الاختيار لغيره من يحسن الاختيار لنفسه، ولا خير لك فيمن لا خير له في نفسه. وقالت العلماء: لن ينصحك امرؤ لا ينصح نفسه. وقال بعضهم: رأيي ورأيك في المعرفة أمثل لنفسك من رأيك لأنه خلو من هواك. وقال أبو الدرداء: إن شئتم لأنصحن لكم: إن أحب عباد الله إلى الله الذين يحببون الله إلى عباده ويعلمون في الأرض نصحاً. وروي أن رجلاً لطم إبراهيم بن أدهم فرفع رأسه إلى السماء وقال: إلهي إنك تثيبني وتعاقبه فلا تثبني ولا تعاقبه. ومن الخصال التي تجري مجرى الجمال والكمال: الحلم.

[الباب الثامن والعشرون: في الحلم]

قال الله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ} (هود: 75) وقال تعالى: {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} (الحجر: 85) . قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الصفح الجميل هو الرضى بلا عتاب. وقيل: الصفح الجميل هو الرضى بلا توبيخ فيه ولا حقد معه. وفي الأمثال القديمة: كاد الحليم أن يكون نبياً. وروي أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: علمني كلمات أعيش بهن ولا تكثر فأنساهم! قال: لا تغضب! واعلم أن الحلم أشرف الأخلاق وأحقها بذوي الألباب، لما فيه من راحة السر واجتلاب الحمد، وأحق الناس به السلطان لأنه منصوب لإقامة أود الخلق وممارسة أخلاقهم، فإن لم يكن معه حلم يرد به بوادرهم وإلا وقع تحت عبء ثقيل. وكان أنوشروان ذا حلم وأناة، وكان يقول: في خصلتان لولا أنهما ظاهرتان عند الرعية لضقت بهما ذرعاً: الحلم والأناة.

ويروى أن يحيى بن زكرياء لقي عيسى

<<  <  ج: ص:  >  >>