للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

خَبَرِ أَبِي حَرِيزٍ، تُصَرِّحُ هَذِهِ اللَّفْظَةُ أَنَّ الْحَيْفَ فِي النَّحْلِ بَيْنَ الْأَوْلَادِ غَيْرُ جَائِزٍ، فَلَمَّا أَتَى عَلَى الصَّبِيِّ مُدَّةٌ، قَالَتْ عَمْرَةُ لِبَشِيرٍ: انْحَلِ ابْنِي هَذَا فَالْتَوَى١ عَلَيْهِ سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ، عَلَى مَا فِي خَبَرِ أَبِي حَيَّانَ التَّيْمِيِّ وَالْمُغِيرَةِ عَنِ الشَّعْبِيِّ، فَنَحَلَهُ غُلَامًا، فَلَمَّا جَاءَ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُشْهِدَهُ قَالَ: "لَا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ"، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ النُّعْمَانُ قَدْ نَسِيَ الْحُكْمَ الْأَوَّلَ، أَوْ تَوَهَّمَ أَنَّهُ قَدْ نُسِخَ، وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ" فِي الْكَرَّةِ الثَّانِيَةِ، زِيَادَةُ تَأْكِيدٍ فِي نَفْيِ جَوَازِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ النَّحْلَ فِي الْغُلَامِ لِلنُّعْمَانِ كَانَ ذَلِكَ وَالنُّعْمَانُ مُتَرَعْرِعٌ، أَنَّ فِيَ خَبَرِ عَاصِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: "مَا هَذَا الْغُلَامُ؟ " قَالَ: غُلَامٌ أَعْطَانِيهِ أَبِي، فَدَلَّتْكَ هَذِهِ اللَّفْظَةُ عَلَى أَنَّ هَذَا النُّحْلَ غَيْرَ النُّحْلِ الَّذِي فِي خَبَرِ أَبِي حَرِيزٍ فِي الْحَدِيقَةِ، لِأَنَّ ذَلِكَ عِنْدَ امْتِنَاعِ عَمْرَةَ عَنْ تَرْبِيَةِ النُّعْمَانِ عِنْدَمَا وَلَدَتْهُ، ضِدَّ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ أَخْبَارَ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَتَضَادُّ وَتَهَاتَرُ، وَأَبُو حَرِيزٍ كَانَ قَاضِيَ سِجِسْتَانَ٢.


١ أي: مطل.
٢ لخص الحافظ في "الفتح" ٥/٢١٢ جمع المؤلف هذا، فقال: وجمع ابن حبان بين الروايتين بالجمل على واقعتين، إحدهما عند ولادة النعمان، وكانت العطية حديقة، والأخرى بعد أن كبر النعمان، وكانت العطية عبداً. قال والحافظ: وهو جمع لابأس به إلا أنه يعكر عليه أنه يبعد أن ينسى بشير بن سعد مع جلالته الحكم في المسألة حتى يعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فستشهده على العطية الثانية بعد أن قال له في الأولى: "لااشهد على جور" وجوزابن حبان أن يكون بشير ظن الحكم، نسخ الحكمن قال غيره: يحتمل أن يكون حمل الأمر الأول على كراهة التنزيه، أو ظن أنه لايلزم من الامتناع في الحديقة الامتناع في العبد، لأنه ثمن الحديقة في الأغلب أكثر من ثمن العبد. ثم ظهر لي أن وجه آخر من الجمع يسلم من هذا الخدشن ولايحتاج إلى جوابن وهو أن عمرة لما امتنعت من تربيته إلا أن يهب له شيئاً يخصه به وهبه الحديقة المذكورة تطيباً لخاطرهان ثم بدا له فارتجعهان لأنه لم يقبضها منه أحد غيرهن فعارودته عمرة في ذلك، فمطلها سنة أو سنتين، ثم طابت نفسه أن يهب له بدل الحديقة غلاماًن ورضيت عمرة بذلك، إلا أنها خشيت أن يرتجعه أيضاً، فقالت له: أشهد على ذلك رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم، تريد بذلك تثبيت العطية، وأن تأمن من رجوعه فيهان ويكون مجيئه إلى النبي صلى الله عليه وسلم للإشهاد مرة واحدة، وهي الأخيرة، وغاية ما فيه أن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ البعضن أو كان النعمان يقص بعض القصة تارة، ويقص بعضها أخرى، فسمع كل مارواه فاقتصر عليه، والله أعلم.

<<  <  ج: ص:  >  >>