فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

هرون التستري وأخيه أبي ثمر إبراهيم، اليهوديين. وكان من أمرهما أن أبا سعيد هذا كان قد استخدمه الظاهر لبيوعه، فباع عليه في جملة ما باع جارية سوداء تحظاها الظاهر، فولدت له المستنصر؛ فراعت ذلك لأبي سعيد وقدمته عند ولدها المستنصر لما صارت الخلافة إليه ورتبته فيما يخصها؛ فعظم شأنه إلى أن صار ناظراً في جميع أمور الدولة. فلما وزر الأنباري قصده أبو ثمر إبراهيم، فجبهه غلام له، فأحفظه، وأعلم أخاه أبا سعيد؛ فثنى رأى المستنصر عن ابن الأنباري لهذا السبب، وأشار عليه أن يستوزر أبا نصر صدقة بن يوسف الفلاحي، وكان يهودياً قد أسلم، فاستوزره بعد الجرجرائي في يوم الثلاثاء حادي عشر شهر رمضان، ولقب بالوزير الأجل، تاج الرئاسة، فخر الملك، مصطفى أمير المؤمنين. وكان يهودياً موصوفاً بالبراعة في ضروب الكتابة. ولى أولاً نظر الشم؛ ثم خاف أمير الجيوش أنوشتكين الدزبري ففر منه؛ وقد اجتهد في طلبه فلم يظفر به. وقدم إلى القاهرة، فرعى له الجرجرائي حرمة انفصاله عن الدزبري، ورقاه، وأشار في مرضه بأن يستوزر من بعده. فلما تقررت له الوزارة أملى سجل تقليده ليلة اليوم الذي خلع عليه فيه. وتولى أبو سعيد التستري الإشراف عليه. وقبض على ابن الأنباري، وصودر، حتى هلك تحت العقوبة، ودفن بخزانة البنود وكان مسجوناً بها. وصار الفلاحي لا يعمل إلا بما يحده له أبو سعيد ويمثله.

وكان المستنصر قد بث دعاته سراً إلى الآفاق يدعون إليه، ويستميلون من تصل القدرة إلى استمالته. فلما كان في هذه السنة دفع جماعةً منهم إلى ما وراء النهر، ودعوا هناك بعد أن

<<  <  ج: ص:  >  >>