<<  <  ج: ص:  >  >>

[غالب الآباء عقبة أمام التزام الأبناء ونصيحتهم]

لذلك نقول للآباء دائماً: لا تجبر ولدك على الابتعاد عن طريق الله عز وجل، فإن كثيراً من الشباب يشتكي أن أباه يجبره على أن يقبل عملاً في المكان الفلاني، والعمل فيه حرام، ومع ذلك يجبره أبوه أن يدخل في ذلك العمل، هذا أب يضيع ابنه، مع أن المفروض أن الأب يحرص على نجاة ولده.

وسأذكر شيئاً مما حدث لي، حتى أقوي قلب الذي تورط في مثل ما كنت سأتورط فيه قبل ذلك.

عندما تخرجت من كلية الألسن، وضغط عليَّ الأهل أن أعمل مرشداً سياحياً، لأن المرشد السياحي في تلك الأيام كان مرتبه كبيراً، قد يصل إلى أربعة ألاف جنيه، وهذا كان سنة تسعة وسبعين، أيام كان الجنية اسمه: (لحلوح) ، والأربعة الآلاف تساوي أربعين ألفاً هذه الأيام؛ لأن المكتب يعطيك تسعمائة جنيه، ثم المجموعة التي ترافقها وتحدثهم عن (خفرع) و (خوفوا) ، وخاصة عندما تكون ظريفاً وخفيفاً، فإنهم يعطونك من تلقاء أنفسهم، كل واحد يعطيك عدداً من الدولارات، والرجل الذي هو رأسهم يشكرك في آخر الجولة، ويقول لك: خذ هذا المبلغ شكراً منا على الجهود التي بذلتها معنا، وعلى حسب المجموعة التي تذهب معهم، فإن كانوا ذا مال كثير، فسيكون حظك جيداً، ثم بعد ذلك تأخذهم إلى خان الخليلي -حيث الخيانة! ٍ- وتحصل على خمسة وعشرين في المائة من المبيعات أو أكثر؛ لأن القارورة العطر التي بخمسة عشر جنيهاً يتم بيعها بثلاثمائة جنيه، بحجة أن (خوفوا) كان يتعطر بها، و (منقرع) كان يحبها، وأنت تتحدث وتوافقهم أن (خوفوا) مثلاً كان يتعطر بها، وهؤلاء أناس جاءوا ليتسلوا، فمسألة الحقائق والكلام هذا لا تهمهم.

فتصور عندما يشترون بأربعة آلاف أو بخمسة آلاف جنيه، وأنت معك خمسة وعشرون في المائة، فكل هذا حين يُجَمَع يصير مبلغاً كبيراً محترماً.

فهي مرة واحدة فقط التي ذهبتها، وأول ما رأيت ذلك المنظر تركت العمل مباشرة، فقال الأهل: هذه كارثة؛ لأننا علمناك ونريدك أن تؤدي الدَّين الذي عليك، وتصرف على إخوانك الصغار، وتبني كذا، فكيف تأتي أنت بعد أن سُهِّلت أمورك وتتخلى عن العمل، هذه قلة وفاء، وكان المفروض أن تقوم بالدور.

وما إلى ذلك، لكنهم لم يستطيعوا، وكنت دائماً أدعو الله تبارك وتعالى أن يجبرني ويرفع خسيستي، ويعلي كعبي، ويوسع عليَّ في الدنيا؛ حتى أريهم أن الذي يعتمد على الله لا يخيبه، فالدعاء هذا كان دائماً على لساني، وكنت أقوله بحرارة؛ لأنه كان هناك ضغوط كثيرة، وكان هناك كارثة قبل هذه الكارثة، فقد كنت أعمل في الكلية معيداً وفُصِلت، ثم مذيعاً في الإذاعة، ثم تركتها، ثم في الإرشاد السياحي، ثم تركته فشل ذريع، وعلى حسب كلامهم: ما تدخل في مكان إلا وتثبت فشلك فيه، وجاءت قاصمة الظهر -كما يقول العلماء- وهي أنني عُيِّنت في آخر الأمر في وظيفة القوى العاملة، عيِّنت مترجماً فورياً في مكتب محافظ كفر الشيخ.

أنور السادات في سبعة وسبعين أعطي المحافظون سلطة رئيس الجمهورية في التعاقد مع الدول، ضرباً للروتين؛ لأن المحافظ الآن عندما يريد أن يعمل حاجة فإنه يرفع تلك الحاجة إلى مجلس الوزراء، كأنه يريد الآلات الفلانية من البلد الفلانية، ومجلس الوزراء سيبُت في المسألة إلخ.

فقالوا: حتى نضرب هذا الروتين، كل محافظة لها ميزانيتها، والمحافظ يعتبر مثل رئيس الجمهورية فيما يتعلق بالميزانية الخاصة بالمحافظة، فهم يحتاجون إلى مترجم لكل لغة من اللغات الحية في مكتب كل محافظ، فما ذهبت إلى هناك حتى قُضي الأمر، وقد كنت اشتغلت في هذا المجال الذي أنا أشتغل فيه الآن، وما استطعت تركه، فقد كنت مجبراً، وأحببت هذا الطريق جداً وصرت مثل المسحور، لا أستطيع أن أتراجع ولا خطوة، ثم أكرمني ربي سبحانه وتعالى، ووسّع علي في الدنيا توسعة أسأل الله أن يعينني على شكره تبارك وتعالى وعلى حمده.

لقد تركت أشياء كان بالإمكان بعد عشرين سنة في المهنة أن أكون الآن رئيس شبكة الإذاعة مثلاً، أو أن أكون وزيراً للإعلام، أو غير ذلك، ومع ذلك منَّ الله عز وجل عليَّ وله الحمد في الأولى والآخرة، فأنا عندما أذكر هذا تحدثاً بنعمة الله تبارك وتعالى، وحتى أقوي قلوب الآباء، وأقوي الأبناء على أن يتخذوا القرار في أن يختاروا ما يرضي الله تبارك وتعالى، وإن أَغضب أهل الأرض جميعاً، وسينصرك الله ويعلي كعبك، ويرفع قدرك.

فيا أيها الآباء! لا ينبغي لكم إن كنتم تحبون أبناءكم أن تحيدوا بأبنائكم عن طريق الله سبحانه وتعال؛ لأن على الآباء بما أنهم مفطورون على محبة الولد، أن يحبوا لأبنائهم أكثر مما يحبونه لأنفسهم.

فنحن نرجع الآباء إلى هذا الأصل، في كون الأبوين يحبان الابن أكثر من محبتهما لأنفسهما، فهل من تمام هذه المحبة أن يدخله النار؟ أو أن يعرضه لسخط الله عز وجل؟ لا فطالما أنك تحب ابنك فلا تعرضه لسخط الله، واعلم أنك لن تزيد من قدرك، ولن تخرج مما قدره الله لك، فليكن قلبك قوياً، وضع في حسابك أنك لن تموت إلا وقد استوفيت رزقك وأجلك، فنريد أن نترجم هذا الكلام النظري إلى واقع عملي، أول ما ينشرح صدرك لهذا الكلام ترى الدنيا على حقيقتها، ولا يضرك ما فاتك منها.

عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما استحيا ابنه عبد الله بن عمر عن أن يقول هذا في حضرة النبي عليه الصلاة والسلام، تمنى أن يقولها ويخسر الدنيا كلها انظر إلى حقارة الدنيا! هي في نظر عمر لا تساوي إجابة مسألة أمام النبي صلى الله عليه وسلم، ولو خير عمر رضي الله عنه بين أن تكون الدنيا جميعاً في كفّه، وبين أن يجيب عبد الله بن عمر أمام النبي صلى الله عليه وسلم فيدعو له بالبركة أو يثني عليه في كفة؛ لاختار أن يجيب ابنه، لأن الصحابة كانت حياتهم كلها إيمانية، أعينهم دائماً تطل على الآخرة، ليس عندهم النظر الموجود عند المسلمين الآن.

<<  <  ج: ص:  >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير