<<  <  ج: ص:  >  >>

[نماذج معاصرة سخرت جهودها لخدمة هذا الدين]

هذه قصة لا أنساها أبداً، وكلما تذكرتها زادتني حماساً وانتماءً، وهي قصة حديثة: فقد كنت في مكة، والتقيت بعد أن خرجت من بيتي بمجموعة من العلماء من بخارستان، تقريباً خمسة عشر أستاذاً ومدرساً، ولهم شيخ يقترب من التسعين إن لم يكن تجاوزها رجل عليه سمت وله وقار، وقلما يتكلم، وتلامذته يتكلمون بلغة عربية جيدة، فتكلموا عن الشيوعيين، وكيف كانوا يقتلون علماء المسلمين، وتكلمنا في هذه المسألة فترة، فسألت أحد التلاميذ وقلت له: اسأل هذا الشيخ كيف نجا من مذابح الشيوعيين؟ فإن عمره تسعون سنة ومع ذلك لم يذبح ولم يقتل من قبل الشيوعيين، فسأله هذا السؤال، فتكلم الرجل وقال: إنه فرض على نفسه الحبس الاختياري أكثر من ستين عاماً، فقد كان تحت جنح الظلام يتسلل إلى قرية من القرى، ويدخل بيتاً من البيوت، ويجلس في هذا البيت ثلاثة أو أربعة شهور، أو أكثر أو أقل، المهم أنه لا يخرج من هذه القرية إلا بعد أن يعلم أطفال القرية القرآن والحديث، والآباء يخرجون الأبناء إليه في سرية تامة، ويظل الفترة التي يظن أنه قد قضى حاجته من هذا البلد، ثم إذا انتهى يخرج تحت جنح الليل إلى قرية أخرى.

وهكذا ظل الرجل ستين سنة باختياره محبوساً، وهو يدرس القرآن والسنة، ورضي لنفسه هذا الحبس الاختياري! نحن نهيب بإخواننا أن يكون عندهم مثل هذه العاطفة لهذا الدين، لنتحرك بهذه العاطفة أنت لا تحتاج أن يقول لك أحد: اخدم دينك، فإنك متى احتجت أن يقول لك أحد: اخدم دينك؛ إذاً فابك على نفسك، ولهذا تجد الإسلام ينطلق إليك بتلقائية رجل يحرم نفسه من الدنيا ومن ملذاتها الدنيا، ويفرض على نفسه الحبس الاختياري ليعلم الناس القرآن، وأطول مدة قضاها في بلد هي خمس سنين، ظل في بيت من بيوت البلدة يخدم الكتاب والسنة، ويعلم الناس القرآن والحديث.

نحن نحتاج إلى مثل هذا الانتماء، إن صدق الانتماء هو الذي يعطيك قوة النفس، ولا يمكن أن ترتقي هذه الأمة إلا إذا وجدنا رجالاً يحتسبون ويضحون بملذاتهم وشهواتهم، من أجل أن ينصر هذا الدين في زمن الغربة، قال تعالى: {لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ} [الحديد:10] .

<<  <  ج: ص:  >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير