<<  <  ج: ص:
مسار الصفحة الحالية:

[خاتمة]

هذا، ونوادر أبي الطيب المتنبي غزيرة، وأخباره كثيرة، وقد اخترنا منها ما يستظرف إيراده، ويُطربُ الألبابَ إنشاده، ومذْ تم ما جمع، وسُميّ بالصبح المتنبي عن حيثية المتنبي، تواردت التقريظات من العلماء الأعلام، وسميت بنسمة الصبح، وجرت منها مجرى الختام.

وأول ما ورد ما كتبه مخدومنا شخص الفضل وصورته، وحلى الأدب وزينته، سيد سادات من في الشهباء من آل النبي، أحمد أفندي الشهير نسبة الكريم بابن النقيب الحسني، وهو:

أيُوسْف إنْ أظهرتَ رَوضاً مَدَبَّجاً ... يَرَاعُكَ لا فصلُ الربيع رَبيعُه

وَجَدَّدتَ للكِنْديّ ذاكرا بِجامِعٍ ... لأخبارِهِ، قَدْ قلَّ مَن يستطيعُهُ

وتوَّجْتَهُ باسمِ الهُمام الذي لَه ... من الفضْلِ ما بَينَ الأنامِ جَميعُهُ

سَليل حُسامِ الدين ذِي المجْد مَن غَدا ... حُسَاما بَهامِ الظالمين وُقَوعُهُ

وصَدْر مَوالي الرّومِ مَنْ نُور عَدْلِه ... تلألأَ مِثلَ الصُّبحْ زاد سُطُوعُهُ

وَمَنْ لَمْ يَزل للشرع بالزهدِ حافظا ... وقد كانت الأطماعُ قبلُ تُضِيعُهُ

ومَنْ شرَّف الشَّهباءَ مُذ حَلَّ رّبْعَهَما ... وأحْيَا بني الآداب فيها صَنيعُهُ

فَمَنْ يتلَقبْ بالبديع فإنما ... يكون بديعاً كلُّ شيء بَديعُهُ

وإن كنتَ قَدْ حَسَّرَّتَ فيه مَدَائِحاً ... يسير بها من كل ركب سَريعُهُ

فَما هُوَ إلاّ الصاحِبُ النَّدْب سؤدداً ... وفضلا وإقبالا، وأنت بديعُهُ

ثم ورد ما تفضل به شيخُنا، الذي بزغتْ في الشهباء فضائله. وعمت فضلاء الأدباء فواضله. وأزري سنا سؤددُه بالدراري، شمس المجد، بدر الفضل، نجم الدين أفندي الأنصاري، وهو قوله، مدَّ الله ظله، ورفع مَحلَّه:

رسالةُ مَولانا البديعيّ رَوْضةُ ... تَنَزَّه فيها السَّمْعُ والطَّرْفُ والفكرُ

أبانتْ مزايا ابن الحسين التي بها ... على شعراء الدّهر قَدَّمَهُ الشعْرُ

وأسْكَرَتِ الألبابَ حتى كأنما ... أحاديثها المستحسناتُ بها خَسْر

ولا بِدْعَ أنْ أبدَي البديعيّ دُرَّهُ ... إذ البحرُ منهُ دائماً يحرُجُ الدُّرُّ

فكيف ومَن صِيغَتْ لَهُ العَلَمُ الذي ... على ما به الدهرُ الضنينُ سَخا الدَّهْرُ

أتاها ولَيْلُ الظلمُ مُلْق رواقَهُ ... فلما رأتْهُ مُقبلا سَطَعَ الفجْرُ

إمامُ كَسَا الشهباءَ ساطعُ عدله ... بَهَاءً علَى مَرَ الزَّمان له الذكْرُ

بماذا يُجادُ القولُ في مَدْح عالم ... بكل فم في كُلّ أرض لَهْ شُكْرُ

جَوادُ إذا ضَنّ الجَواد بما لِهِ ... ولو لم يجُدْ أغناكَ عن بَذْلهِ البشْرُ

إذا ما تصدَّى للعلوم مُبَاحِثا ... علمتَ لماذَا يشبهُ العالِمَ البحْر

فيا واحدَ الدُّنيا الذي جُمِعَت له الْ ... معالي كما الأيامُ يجمعُها الشهْرُ

ويابن الحُسامِ والَّذي به ... بشَهْبائنا مُذ حَلَّها حَصَل الفخْر

رَأيناك أوْلَى الناس بالمَدْحِ منْ ذَوي ... الفضائل إذ أنتَ الذي عَبدُه حُرُّ

فَدُمْ ما تغنت في الرياض بلابلُ ... وأحْدَقَ في فصل الربيع بها الزَّهْرُ

ثم ورد ما قاله عالم الشهباء وابن عالمها، ومشيد بالفضائل دعائم معالمها صاحب النهج المرضى وهو الشيخ أبو الوفا العرضي، متع الله ببقائه الأنام:

يا جَوْهَراً قام الكمال بذاتِه ... وأضاء مَجداً مِن صَفاءِ صِفاتِهِ

والفاضل الفطِن الَّذي دلْ عَلَى ... إحسانِه آثارُ تَنْميقاتِهِ

ربَّ المعاني والبديعيَّ الذي ... زان البيانَ بديع تحسِناتِهِ

عاشتْ بك الآدابُ وهْي رَميِمةُ ... وبَعثتَ للكندي رُوحَ حَياتِهِ

ونسخْتَ من ذكرى حبيب كلَّ ما ... نسخْته أيدي الدهر من كلماته

ونبذْتَ من عَبث الوليد ما ... نطقتْ به الأيامُ من أبياتِه

وأبَنْتَ بالبرهان مُعْجِزَ أحمد ... وكشفْتَ سَجْفَ الطَّعْن عن حسناته

وأقمت مِيزانَ العدالَةِ مُقْسِطاً ... لم تَتْرُكِ المثقال مِنْ ذرّاته

لله درّكَ من أديب مِصْدَع ... أبداً حَلاَلُ السحرِ من كلماته

في ضِمْن تأليف تحررّ باسم مَنْ ... زان الزمانَ بِدُرّ تحقيقاتِهِ

السالكِ السَّنَنَ الأغرَّ نباهةً ... مَشْوَي العدالة من جميع جهاته

قل للذين قدموا وتأخروا ... نور الهدى اقتَبسُوه من مِشْكاتِهِ

وتعلَّموا الأحكامَ كيف قضاؤها ... مَهْمَا تَوارَي الحقُّ في شُبُهاتِهِ

وتأملُوا فيه العفافَ طبيعةً ... كغوامض التحقيق من مَلَكاته

هو من سيوف الله وابنُ حُسامِهِ ... مَنْ رِيعَ قلبُ الزُّور من عَزَماتِهِ

وأنارت الشهباءُ لما جاءَها ... وقد استنار الكسْفُ في مِرْآته

فإنجاب عنها كلُّ ظلمة ظالم ... فيها وعمّ العدلُ من بَرَكاته

لا زالتِ الفضلاءُ تخدمُ بابَهُ ... والنصرُ لا ينفكَ عن حَرَكاته

ثم ورد ما نمقه كشاجم عصره، وفاضل مصره، بل واحد دهره، السيد الأوحد في الخلائق فضلا، ربيع الفضل، يحي الصادق:

لله ما نمَّقْتَ من مُرْقص ... يُغني أخا اللبّ عن المُطربِ

أثْبَتَّ من ِحْرك في طيهِ ... إعجازَ آياتِ أبي الطيب

وهكذا الفاضلُ من شأْنِهِ ... نَصرةُ ذي الفضل على الأجْنَبي

هذا وقد قيل على أنه ... كناقلِ التمرِ إلى يثرب

أو ساكبِ القَطْرِ على البَحْر أو ... مُهدِي رَذاذِ الطَّلِ للصيِّبِ

أو حامل الدُّر إلى يَمهِ ... أو مُرسلِِ النُّورِ إلى الكَواكَبِ

لأنه عنونه باسْم مَنْ ... لولا خِتامُ الرُّسْلِ قُلْنا نبي

فقلت مَهْلاً هذهِ عادَةُ ... لا يُنكِرُ العادةَ إلا غَبي

انظرْ إلى الطاهي وتقديمه ... الطَّعام للمَوْلَى ولا تَعْجَبِ

وقَيَمُ البُسْتان قد يُتحِفُ ... المالك بالفاخِرِ والأطْيَبِ

والشاكري يحمل أستاذَه ... على ذُرا الأصْهَبِ والأشْهَبِ

وهكذا ربُّ البديع الَّذِي ... يُدْعى البديعِي ليس بالمُعْتَب

لأنه أهَدى لأستاذهِ ... باكورة الفضل ولَمْ يُسْهِبِ

مَعْ أن ما يعلمُه فوق ذا ... لكنُه قد جاءَ بالأعذبِ

يَعْرِضُه بين يَدَيْ واحد الد ... نيا وأم الشرق والمغرب

حامِي حِمَي الشرع القويمَ الذي ... قَدْ شَرَّفَ الشهباءَ بالمَنْصب

سيفُ من الرحمنَ قد سلَّهُ ... وابنُ حُسام الدين إنْ يُنْب

وكل من يَطْمَعُ في مِثْلِهِ ... مِنْ دَهْره لُقبَ بالأشْعَبي

ثم ورد ما قاله نسيج وحده، ووارث الفصاحة عن نزاره ومعده، ومالك رق المعاني، الحسيب النسيب السيد موسى الحمداني، وهو:

غَنِينا عن الياقوت واللؤلؤ الرطْبِ ... بعقِد جُمان عُدَّ مِنْ جُمْلة الكتبِ

تضمن أخباراً يَلذُّ استماعُها ... كما لَذّاتِ الشكوَى من الحِب للحِبّ

ولاحتْ به لابن الحسين قلائدُ ... تُخِّبرُ عَنْهُ أنَّهُ أشعرُ العُرْب

وكيفَ ومُنشِيه الَّذي قد أطاعته ... نظاماً ونَشْراً كُلُّ مبتكَر صَعْبِ

وحِيدُ بلاد الشامِ بالفضل يوسف ... البَديعيُّ مَنْ عَنْهُ مؤلَّفهُ يُنْبي

بِرَسْمِ وحِيدِ الدهْرِ مَنْ عَمَّ عدله ... وسَارتْ به الرُّكْبَانُ في الشرق والغرب

سَلِيل الحسامِ اللوذعي الذي غَدَتْ ... له عَزْمَة أمْضَى من الصارم والعَضْب

أجَل مَوَالي الروم مَنْ جود جُودِهِ ... على أمَدِ الأيام أجْدَى من السحُّب

ومَنْ شُرفَتْ شَهباؤُنا بقدومِهِ ... وتاهَتْ به عُجْباً على السبْعَة الشهُب

ومَنْ فرَّجَتْ أيامُهُ كُلَّ كُرْبَةٍ ... فصار اسمها في الناس فَراجَة الكَرْب

فلا زالَ مَخْدومَ الأفاضلِ مَوْرِد ... الفضائلِ مقصودا على البُعْد والقْربِ

ثم ورد ما قاله صاحب النسب النبوي، الأمجد السيد محمد التَّقَوى، وهو:

أسحْر بابلَ أمْ ذي نَسْمة السَّحَرِ ... سَرَتْ عن الشحُرِ أم عِقْد من الدُّرر

أمْ غرةُ في جبينِ الدَّهْرِ شادِخةُ ... أمْ غادَةُ فَتَنَتْ بالدَّلُ والحَوَرِ

أم البَديعيّ أبدَى بِنْتَ فِكْرَتِهِ ... بكل مَعنًى رفيق اللفظِ مُبْتَكَرِ

راقت صَفاءً ورَقَّتْ كُلُّ حاشيةٍ ... مِنْها وَدقَتْ مَعَانيها على الفِكَرِ

كأنَّهَا مِنْ عَصَا مُوسى قد اكتسبت ... فلَمْ تدَعْ للسوي صُنْعاً ولمْ تَدَرِ

تَضَمَّنَتْ نظم أخْبار قد انتثرتْ ... لابن الحسين بليغِ البدو والحَضَرِ

ودُونَتْ باسْمِ مَوْلانا بزغَتْ ... يُوحُ العَدَالة في أيامِه الغُرَرِ

نجل الحُسام الذي ماضِي عزيمته ... في المشكلاتِ يُرى أمْضَى مِنَ القَدرِ

مَوْلًى كريم السجايا من خلائقه ... تخلَّقتْ نسماتُ الروض في السَّحَرِ

لو كان للزُّهْرِ من الألاء سُؤدُدِه ... جُزْءُ لما احتجبتْ يوماً عن النَّظَرِ

طالتْ مدائحُه من كل ذي أدب ... وهل تطولُ يدُ للأنجم الزُّهُرِ

وإن يُقصّرْ مَدِخي عن عُلاهُ فكَمْ ... قد انثنى مادحُ بالعيّ والحَصَرِ

أضمرتُ ذكرَ اسمِه في طِيّ مِدْحتِهِ ... إذ كان أشهرَ في الدنيا من القَمَر

يا من فضائلهُ من كل ذي بَصر ... في الشرق والغرب مِلء السمع والبصَرِ

أبقيْتَ ذكرا بما أسديتَ في حَلَبٍ ... كالذكر نَتْلُوهُ في الآصال والبْكَرِ

ثم ورد ما قاله حمادي الرواية وثعالبي الدراية، صاحبنا الشيخ عبد القادر الحموي وهو:

يتألف مولانا البديعي يُوسفِ ... تجدّد ما لابن الحسين من الفضلِ

تحلَّى به جيدُ الزمانِ وأصبحتْ ... له نَضْرَةُ كالروض غُودِي بالطَّلِ

وقد زيدَ حُسناً أنه صيغَ باسم مَن ... له قلمُ ما زالَ أمضى من النصلِ

يذكرنا ياقوتَ أدنى حروفهِ ... وكل مثال منه جَلَّ عن المثلِ

سما ربُّه كنز الهداية والحجا ... سماءَ العُلا والمجد والفضل والبَذْلِ

حليفُ التقَى نجلُ الحسام الذي زهْت ... به حلبُ الشهباءُ والأبُ كالنَّجْل

وزحزح عنا ظلمة الظلم وانتضى ... على عاتق العُدْوان سيفا من العَدْل

وأبدى بها بدر الفضائل بازغا ... ومِنْ قَبله قد كان في سُدَف الجَهل

ومِن قبله والله لم نَرَ قاضيا ... له سطوةُ الضِرّغام في ورع الشِبْلِي

هذا ما اخترناه من التقريضات، ولولا خوف الإطالة لذكرناها جميعاً، فإنه لم يبق فاضل ولا شاعر من أبناء الشهباء، ولا من غيرها المقيمين بها إلا وقد كتب تقريضاً، ومدح به جناب المولى أيده الله تعالى، مساعداً لنا في مدحه، لقصورنا عن شكر ما أسداه لنا، وما يسديه، فلا زالت الأفاضل تحت ظلال جوده قائلة، وألسنة الأقلام على أمد الليالي بالإفصاح من محامده قائلة، ولا برحت قلوب أعاديه من هبته خافقة، ورايات عدله المنصورة بالشرائع خافقة. وهذا دعاء يشمل كل إنسان، فيجب أن ينطق به كل إنسان.

وقد تم ووقع من نسخه، من نسخة أصله على يد الفقير الراجي عفو ربه الكريم المنان حسين ابن الحاج عثمان الحلبيّ، غفر الله زلله، وختم بالصالحات عمله، وذلك في اليوم السابع من شهر رجب الفرد، من شهور سنة أربعة وخمسونوألف، أحسن الله ختامه. والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

ترجمة المصنف

يوسف المعروف بالبديعي، الدمشقي الأديب، الذي زين الطروس برشحات أقلامه، فلو أدركه البديع، لاعتزل صنعة الإنشاء والقريض، عند استماعه نثره ونظامَه.

خرج من دمشق في صباه، فحل في حلب، فلم يزل حتى بلغ الشهرة الطنانة في الفضل والأدب. وألف المؤلفات الفائقة، منها كتابة الموسوم) بالصبح المنبي، عن حيثية المتنبي (، وهو كتاب جم الفائدة، وله كتاب) الحدائق (في الأدب. ولما رأى كتاب) الريحانة (، عمل كتاب) ذكرى حبيب، فأحسن وأبدع، وأطال وأطاب، وأعرب عن لطافة تعبيره، وحلاوة ترصيعه، وتمكنه من الاطلاع، إلا أنه لم يساعده الحظ في شهرته، فلا أعلم له نسخة إلا في الروم، كانت عند أستاذي المرحوم شيخ العزتي، ونسخة عندي، وكان ألف كتابه) الصبح (باسم شيخ الإسلام، عبد الرحمن بن الحسام، إذ كان قاضياً بحلب، وكان يميل إلى البديعي ويقربه. ولما ولي قضاء الشام، كان في خدمته أيضاً، وله في مدائح كثيرة، وشعر كثير، أوردت له منه في كتابي) النفحة (ما فيه مقنع. وأخبرني والدي أن البديعي، كتم قد ولي قضاء الموصل في آخر عمره، ووصل بعدها إلى قسطنطينية، فتوفي بها في ثلاث وسبعين وألف.

نقلت من آخر تاريخ الأمين الدمشقي.

جاء في الصفة التالية لصفحة الترجمة السابقة بخط دقيق جميل:) هذا الكتاب عندي بطريق العارية، للأكمل الشيخ محي الدين التافيّ، وذلك في غرة جاء سنة 1254 (.

<<  <  ج: ص: