للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عبد الملك بن قريب الأصمعي، فالأصمعى كان عربيّا متعصّبا للعرب شديد العصبية شديد المحافظة والتوقي. ولقد بلغ من ذلك أنه كان لا يقول في تفسير ألفاظ الكتاب الكريم، خشية أن يزلّ زللا دينيا أو لغويا لا يغتفر.

وأما أبو عبيدة فإنه كان لا يعبأ بهذا المذهب، فهو ينساق إلى أن يؤلف في تفسير آي اللّه كتابا سمّاه «المجاز» يعنى به الطريق الذي يسلك إلى فهم كلام اللّه.

فيقول مثلا في تأويل قول اللّه «مالك يوم الدين»: «نصب على النداء، وقد تحذف ياء النداء، مجازه يا مالك يوم الدين لأنه يخاطب شاهدا .. ومجاز من جرّ مالك يوم الدين، أنه حدّث عن مخاطبة غائب (١)». فيغضب الأصمعي من تأليف هذا الكتاب ويعيب على أبى عبيدة ويقول: «إنه يفسر ذلك برأيه».

قال التوّزيّ (٢):

بلغ أبا عبيدة أن الأصمعي يعيب عليه تأليف كتاب المجاز في القرآن، وأنه قال: يفسّر ذلك برأيه. فسأل أبو عبيدة عن مجلس الأصمعي في أي يوم هو؟

فركب حماره في ذلك اليوم ومرّ بحلقة الأصمعي فنزل عن حماره وسلّم عليه وجلس عنده وحادثه، ثم قال له: يا أبا سعيد - وهي كنية الأصمعي - ما تقول في الخبز؟ قال: هو الذي تخبزه وتأكله. فقال له أبو عبيدة: فسّرت كتاب اللّه برأيك. قال تعالى: إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا (٣). قال الأصمعي: هذا شيء بان لي فقلته ولم أفسّره برأيي. فقال له أبو عبيدة: وهذا الذي تعيبه علينا كلّه شيء بان لنا فقلناه ولم نفسّره برأينا. ثم قام فركب حماره وانصرف.


(١) مجاز القرآن ١: ٢٢ - ٢٣.
(٢) ياقوت ١٩: ١٥٩.
(٣) الآية ٣٦ من سورة يوسف.

<<  <  ج: ص:  >  >>