للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَمَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ إذَا كَانَ شِرَاؤُهُ ذَلِكَ عَلَى وَزْنٍ أَوْ كَيْلٍ أَوْ عَدَدٍ.

بِخِلَافِ الْجُزَافِ وَكَذَلِكَ كُلُّ طَعَامٍ أَوْ إدَامٍ أَوْ شَرَابٍ إلَّا الْمَاءَ وَحْدَهُ، وَمَا يَكُونُ مِنْ الْأَدْوِيَةِ وَالزَّرَارِيعِ الَّتِي لَا يُعْتَصَرُ مِنْهَا زَيْتٌ فَلَا

ــ

[الفواكه الدواني]

الْأَنْوَاعِ بِبَعْضِهَا أَوْ غَيْرِهَا بَعْدَ إسْقَاطِ الْمُكَرَّرِ ثَمَانٍ وَعِشْرُونَ صُورَةً، فَبَيْعُ كُلِّ وَاحِدٍ بِنَوْعِهِ مُتَمَاثِلًا يَدًا بِيَدٍ جَائِزٌ فَهَذِهِ سَبْعُ صُوَرٍ. وَيَجُوزُ بَيْعُ الْحَلِيبِ وَالزُّبْدِ وَالسَّمْنِ وَالْجُبْنِ بِوَاحِدٍ مِنْ الْمَخِيضِ وَالْمَضْرُوبِ مُتَمَاثِلًا، وَهَذِهِ ثَمَانِ صُوَرٍ، وَيَجُوزُ بَيْعُ الْمَخِيضِ بِالْمَضْرُوبِ مُتَمَاثِلًا فَصَارَتْ الصُّوَرُ الْجَائِزَةُ سِتَّ عَشْرَةَ، وَبَقِيَ ثَلَاثٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا وَهِيَ بَيْعُ الْأَقِطِ بِالْمَخِيضِ وَالْمَضْرُوبِ وَبَيْعُ الْجُبْنِ بِالْأَقِطِ فَتَصِيرُ الصُّوَرُ الْجَائِزَةُ خِلَافًا وِفَاقًا تِسْعَ عَشْرَةَ صُورَةً، وَالصُّوَرُ الْبَاقِيَةُ مَمْنُوعَةٌ، وَهِيَ بَيْعُ الْحَلِيبِ بِالزُّبْدِ وَبِالسَّمْنِ وَبِالْجُبْنِ وَبِالْأَقِطِ وَبَيْعُ الزُّبْدِ بِمَا بَعْدَهُ وَبَيْعُ السَّمْنِ بِمَا بَعْدَهُ وَبَيْعُ الْجُبْنِ بِالْأَقِطِ.

الثَّانِي: مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ إيهَامِ جَوَازِ بَيْعِ اللَّبَنِ بِالسَّمْنِ أَوْ الْجُبْنِ لِاخْتِلَافِ الصِّنْفِيَّةِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالصِّنْفِ الْجِنْسُ أَوْ النَّوْعُ، وَأَمَّا لَوْ أُرِيدَ بِالصِّنْفِ حَقِيقَتُهُ، وَهُوَ مَا كَانَ أَخَصَّ مِنْ الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ فَلَا يَأْتِي الْإِيهَامُ الْمَذْكُورُ،؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الصِّنْفِ لَا يَقْتَضِي جَوَازَ بَيْعِ صِنْفٍ بِآخَرَ، وَإِنَّمَا الْمُقْتَضَى اخْتِلَافُ الْجِنْسِ وَلِذَلِكَ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَجْنَاسُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ» وَلَمْ يَقُلْ الْأَصْنَافُ، وَمُحَصَّلُ الْجَوَابِ الِاخْتِلَافُ الْمُجَوِّزُ بِبَيْعِ الشَّيْءِ بِغَيْرِهِ مُتَفَاضِلًا لِلِاخْتِلَافِ فِي الْجِنْسِ أَوْ النَّوْعِ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَوَازِ الَّذِي يُوهِمُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ الْجَوَازُ فِي الْجُمْلَةِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ فِي بَيْعِ السَّمْنِ بِالْجُبْنِ الَّذِي أَخْرَجَ زُبْدَةً، وَلَيْسَ الْمُرَادُ جَوَازَ كُلِّ الصُّوَرِ الْوَاقِعِ فِيهَا الِاخْتِلَافُ فَافْهَمْ.

ثُمَّ شَرَعَ فِي بِيَاعَاتٍ نَهَى عَنْهَا الشَّارِعُ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا) أَوْ أَخَذَهُ عِوَضًا عَنْ عَمَلٍ وَلَوْ كَرِزْقِ قَاضٍ أَوْ بَعْضِ الْجُنْدِ أَوْ أَخَذَ صَدَاقًا أَوْ أَرْضَ جِنَايَةٍ (فَلَا يَجُوزُ) لَهُ (بَيْعُهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ) بِكَيْلِهِ أَوْ وَزْنِهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ اشْتَرَى طَعَامًا فَلَا يَبِيعُهُ حَتَّى يَكْتَالَهُ» وَفِي رِوَايَةٍ: «حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ» وَفِي رِوَايَةٍ: «حَتَّى يَقْبِضَهُ» . وَاخْتُلِفَ فِي وَجْهِ الْحُرْمَةِ فَقِيلَ تَعَبُّدِيٌّ وَقِيلَ مُعَلَّلٌ بِأَنَّ غَرَضَ الشَّارِعِ سُهُولَةُ الْوُصُولِ إلَى الطَّعَامِ؛ لِيَتَوَصَّلَ إلَيْهِ الْقَوِيُّ وَالضَّعِيفُ، وَلَوْ جَازَ قَبْلَ قَبْضِهِ لَرُبَّمَا أُخْفِيَ بِإِمْكَانِ شِرَائِهِ مِنْ مَالِكِيهِ، وَبَيْعُهُ خُفْيَةً فَلَمْ يَتَوَصَّلْ إلَيْهِ الْفَقِيرُ، وَلِأَجْلِ نَفْعِ نَحْوِ الْكَيَّالِ وَالْحَمَّالِ، وَمَفْهُومُ ابْتَاعَ طَعَامًا أَنَّ غَيْرَهُ مِنْ حَيَوَانٍ أَوْ عَرَضٍ يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ.

قَالَ خَلِيلٌ: وَجَازَ الْبَيْعُ قَبْلَ الْقَبْضِ إلَّا مُطْلَقُ طَعَامِ الْمُعَاوَضَةِ وَلَوْ كَرِزْقِ قَاضٍ.

(تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا مِنْ دُخُولِ رِزْقِ الْقُضَاةِ فِي طَعَامِ الْمُعَاوَضَةِ؛ لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ عَمَلِ حُكْمِ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الشُّوَنِ لَا فِي مُقَابَلَةِ عَمَلِ مِمَّا أَصْلُهُ صَدَقَةٌ لِنَحْوِ الْفُقَرَاءِ، وَاسْتَمَرَّ جَارِيًا إلَى هَذَا الزَّمَنِ يَنْتَقِلُ مِنْ قَوْمٍ إلَى آخَرِينَ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ طَعَامِ الْمُعَاوَضَةِ بَلْ هُوَ صَدَقَةٌ، وَالطَّعَامُ الْمُتَصَدَّقُ بِهِ يَجُوزُ لِلْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ. وَلَمَّا كَانَ عَدَمُ جَوَازِ بَيْعِ طَعَامِ الْمُعَاوَضَةِ قَبْلَ قَبْضِهِ مَشْرُوطًا بِكَوْنِهِ أُخِذَ بِكَيْلٍ قَالَ: (إذَا كَانَ شِرَاؤُهُ ذَلِكَ) الطَّعَامِ (عَلَى كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ عَدَدٍ) ، وَهَذَا الْقَيْدُ مِنْ بَيَانِ الْمُتَفَقِّهِينَ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ إنَّمَا وَرَدَ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَالْقَبْضُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْكَيْلُ وَلَا الْوَزْنُ وَلَا الْعَدَدُ.

[بَيْع الجزاف]

(بِخِلَافِ) الْمُشْتَرَى لَا عَلَى الْمَكِيلِ بَلْ عَلَى وَجْهِ (الْجُزَافِ) فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ.

قَالَ خَلِيلٌ: وَجَازَ بِالْعَقْدِ جُزَافٌ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، وَأَمَّا مَا لَا يَنْتَقِلُ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ إلَّا بِقَبْضِهِ فَإِنَّهُ كَالْمُشْتَرَى عَلَى الْكَيْلِ فِي حُرْمَةِ بَيْعِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، كَلَبَنِ شَاةٍ اُشْتُرِيَ جُزَافًا، أَوْ ثَمَرَةٍ غَائِبَةٍ اُشْتُرِيَتْ عَلَى الصِّفَةِ جُزَافًا.

قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ. وَأَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِالْعَطْفِ عَلَى قَوْلِهِ: أُخِذَ بِكَيْلٍ بِقَوْلِهِ: أَوْ كَلَبَنِ شَاةٍ.

قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِهِ: أَيْ أَوْ كَانَ كَلَبَنِ شَاةٍ، وَكَأَنْ قَالَ: أَخَذَ بِكَيْلٍ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، كَأَنْ يُسْلِمَ فِي لَبَنِ شَاةٍ أَوْ شِيَاهٍ مُعَيَّنَاتٍ بِشُرُوطٍ لِلْجَوَازِ، وَهِيَ ثَلَاثَةٌ: كَوْنُ الْمَأْخُوذِ مِنْهَا مُعَيَّنَةً، وَكَثْرَةُ الشِّيَاهِ عِنْدَ الْبَائِعِ بِحَيْثُ إذَا تَعَذَّرَ أَخْذُ اللَّبَنِ مِنْ هَذِهِ يُؤْخَذُ مِنْ غَيْرِهَا، وَمَعْرِفَةُ قَدْرِ حِلَابِهَا، وَأَمَّا لَوْ اشْتَرَى لَبَنًا كَيْلًا فِي كُلِّ يَوْمٍ كَأَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ فِي إبَّانِ اللَّبَنِ رِطْلًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ اللَّبَنِ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَلَا يُشْتَرَطُ كَثْرَةُ الشِّيَاهِ عِنْدَ الْبَائِعِ، فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: بِخِلَافِ الْجُزَافِ مُخَرَّجٌ مِمَّا قَبْلَهُ فَهُوَ مُخَالِفٌ لَهُ فِي الْحُكْمِ، بِشَرْطِ انْتِقَالِ الضَّمَانِ إلَى الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ بِصَدَدِ بَيَانِ الْجَائِزِ وَالْمَمْنُوعِ، فَقَوْلُ التَّتَّائِيِّ نَقْلًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ: إنَّهُ لَيْسَ مُخَالِفًا لِمَا قَبْلَهُ فِي الْحُكْمِ فِيهِ نَظَرٌ، بَلْ هُوَ مُخَالِفٌ لَهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا، فَتَلَخَّصَ أَنَّ الْجُزَافَ عَلَى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ كَالْمَكِيلِ يَحْرُمُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَقِسْمٌ يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ كَالْمَوْهُوبِ وَالْمُتَصَدَّقِ، بَلْ هُوَ مَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِ مُشْتَرِيهِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ لَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِ مُشْتَرِيهِ إلَّا بِقَبْضِهِ.

وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ حَمْلُ الطَّعَامِ السَّابِقِ عَلَى خُصُوصِ الرِّبَوِيِّ قَالَ: (وَكَذَلِكَ كُلُّ طَعَامٍ أَوْ إدَامٍ أَوْ شَرَابٍ) يَحْرُمُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَلَوْ مِمَّا يَدْخُلُهُ رِبَا الْفَضْلِ، وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ خَلِيلٍ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ قَوْلِهِ: وَجَازَ الْبَيْعُ قَبْلَ الْقَبْضِ إلَّا مُطْلَقُ طَعَامِ الْمُعَاوَضَةِ رِبَوِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، كَالْفَوَاكِهِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا يَدْخُلُهُ رِبَا الْفَضْلِ بِقَرِينَةِ الِاسْتِثْنَاءِ الَّذِي هُوَ مِعْيَارُ الْعُمُومِ بِقَوْلِهِ: (إلَّا الْمَاءَ وَحْدَهُ) فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ

<<  <  ج: ص:  >  >>