فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

مِثْلِهِ أَوْ يُعَانُ بِهِ فِيهِ.

وَاخْتُلِفَ فِي الْمُعَاوَضَةِ بِالرَّبْعِ الْخَرِبِ بِرَبْعٍ غَيْرِ خَرِبٍ.

وَالرَّهْنُ جَائِزٌ وَلَا يَتِمُّ إلَّا بِالْحِيَازَةِ.

وَلَا تَنْفَعُ

ـــــــــــــــــــــــــــــQلِمَا قَالَهُ الْإِمَامُ، وَلَعَلَّ وَجْهُ كَلَامِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ التَّطَرُّقِ إلَى بَيْعِ الْأَوْقَافِ بِدَعْوَى الْخَرَابِ، وَالْإِمَامُ بَنَى مَذْهَبَهُ عَلَى سَدِّ الذَّرَائِعِ، وَكَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْعَقَارِ الْحُبُسُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ أَنْقَاضِهِ.

(تَنْبِيهٌ) كَلَامُ الْمُصَنِّفِ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْوَاقِفُ شَرَطَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ بَيْعَهُ وَإِلَّا جَازَ، سَوَاءٌ قَيَّدَ ذَلِكَ بِالْحَاجَةِ أَمْ لَا، كَمَا لَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ لِنَفْسِهِ بَيْعَهُ فَيَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ عَمَلًا بِالشَّرْطِ قِيَاسًا عَلَى شَرْطِ الرُّجُوعِ فِي صَدَقَتِهِ، وَكَذَا يَجُوزُ بَيْعُ الْوَقْفِ لِتَوْسِعَةِ مَسْجِدِ الْجُمُعَةِ.

قَالَ خَلِيلٌ: إلَّا لِتَوَسُّعٍ كَمَسْجِدٍ وَيُؤَجَّرُ أَوْ يُشْتَرَى بِثَمَنِهِ مَا يُجْعَلُ حُبُسًا كَالْأَوَّلِ، وَمِثْلُ تَوْسِعَةِ الْمَسْجِدِ تَوْسِعَةُ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ وَمَقْبَرَتِهِمْ، لِأَنَّ نَفْعَ الْمَسْجِدِ وَالْمَقْبَرَةِ وَالطَّرِيقِ أَكْثَرُ مِنْ نَفْعِ الْوَقْفِ فَهُوَ قَرِيبٌ لِغَرَضِ الْوَاقِفِ، وَأَيْضًا يُسْتَبْدَلُ بِالثَّمَنِ خِلَافُهُ، فَإِنَّهُ امْتَنَعَ الْبَائِعُونَ مِنْ جَعْلِ الثَّمَنِ فِي مِثْلِهِ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَاخْتِلَالُ أَمْرِ الْوَقْفِ يَحِلُّ بَيْعُهُ، وَهَذَا غَيْرُ مُنَافٍ لِجَبْرِهِمْ عَلَى الْبَيْعِ كَمَا قَالَهُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الدُّورِ الَّتِي كَانَتْ حَوْلَ مَسْجِدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ مُحْبَسَةٌ فَإِنَّهَا اُشْتُرِيَتْ وَزِيدَتْ فِيهِ، وَقَيَّدْنَا بِمَسْجِدِ الْجُمُعَةِ لِإِخْرَاجِ غَيْرِهِ، فَلَا يُبَاعُ الْوَقْفُ لِتَوْسِعَتِهِ كَمَا لَا يُبَاعُ لِتَوْسِعَةِ نَحْوِ الْمِيضَأَةِ، وَأَشَارَ إلَى مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِقَوْلِهِ: (وَ) يَجُوزُ أَنْ (يُبَاعَ الْفَرَسُ الْحُبُسُ يَكْلَبُ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ وَاللَّامِ وَالْكَلْبُ فَقْدُ الْإِلْهَامِ، لِأَنَّهُ إذَا أَصَابَ الْفَرَسَ لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ وَتَحْمَرُّ عَيْنَاهُ وَيَعَضُّ كُلَّ مَنْ يَقْرَبُ إلَيْهِ، وَمِثْلُ الْكَلْبِ الْهَرَمُ وَالْمَرَضُ، وَمِثْلُ الْفَرَسِ الْكَلْبِ عَلَى مَا تَعَطَّلَتْ مَنْفَعَتُهُ الْمَقْصُودَةُ كَالْكَبِيرَةِ مِنْ الْإِنَاثِ الْمَوْقُوفَةِ لِنَسْلِهَا أَوْ لِعَمَلِهَا، وَالزَّائِدُ الذُّكُورُ عَلَى مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْغَزْوِ.

(وَ) إذَا بِيعَ الْفَرَسُ الْكَلْبُ وَمَا ذَكَرْنَاهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ (يُجْعَلَ ثَمَنُهُ فِي مِثْلِهِ) مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ كَالنَّفْعِ الَّذِي كَانَ فِي الْمُبَاعِ إذَا بَلَغَ ثَمَنُهُ ثَمَنَ شَيْءٍ مُمَاثِلٍ لِلْأَوَّلِ. (أَوْ يُعَانَ بِهِ فِيهِ) أَيْ فِي شِرَاءِ مِثْلِهِ.

قَالَ خَلِيلٌ: وَبَيْعُ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ عَقَارٍ فِي مِثْلِهِ أَوْ شِقْصِهِ كَانَ أَتْلَفَ، وَفُضِّلَ الذُّكُورُ وَمَا كَبُرَ مِنْ الْإِنَاثِ فِي إنَاثٍ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ثَمَنُ مَا بِيعَ ثَمَنَ شَيْءٍ كَامِلٍ وَإِلَّا أَمْكَنَ الْإِعَانَةُ بِهِ فِي شِقْصِهِ فَإِنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى الْجِهَةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهَا، فَثَمَنُ الْفَرَسِ يُفَرَّقُ عَلَى الْمُجَاهِدِينَ، وَثَمَنُ الْحَيَوَانِ عَلَى مَنْ وُقِفَ عَلَيْهِ، وَثَمَنُ الثَّوْبِ الْخَلْقِ عَلَى الْعُرَاةِ.

(تَنْبِيهٌ) تَلَخَّصَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْأَعْيَانِ الْمَوْقُوفَةِ غَيْرِ الْعَقَارِ إذَا تَعَطَّلَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا، لَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ، سَوَاءٌ كَانَ الْحَيَوَانُ يُعْلَفُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ يَرْعَى فِي الْمَرْجِ حِرْصًا عَلَى الْوَفَاءِ بِغَرَضِ الْوَاقِفِ وَبَقَاؤُهُ مُعَطَّلُ الِانْتِفَاعِ مُفَوِّتٌ لَهُ.

(وَاخْتُلِفَ فِي) حُكْمِ (الْمُعَاوَضَةِ) أَيْ الْمُبَادَلَةِ (بِالرَّبْعِ الْخَرِبِ بِرَبْعٍ غَيْرِ خَرِبٍ) وَلَوْ كَانَ جَدِيدًا فَاَلَّذِي عَلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عَدَمُ الْجَوَازِ.

قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى مَا لَا يَجُوزُ: لَا عَقَارَ وَإِنْ خَرِبَ وَنُقِضَ وَلَوْ بِغَيْرِ خَرِبٍ، أَيْ لَا يَجُوزُ بَيْعُ أَنْقَاضِ الْوَقْفِ وَلَا إبْدَالُ الرَّبْعِ الْخَرِبِ بِالرَّبْعِ غَيْرِ الْخَرِبِ وَالْجَوَازُ لِرَبِيعَةَ، وَنُقِلَ مِثْلُهُ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَلَكِنْ قَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمُعْتَمَدَ الْمَنْعُ فَالْقَوْلُ بِالْجَوَازِ ضَعِيفٌ. (خَاتِمَةٌ تَشْتَمِلُ عَلَى مَسَائِلَ حِسَانٍ) مِنْهَا: أَنَّ الذَّاتَ الْمَوْقُوفَةَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ وَإِنْ كَانَ مَمْنُوعًا مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهَا بِالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ، وَلَيْسَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ إلَّا الْمَنْفَعَةُ الْمُعْطَاةُ مِنْ غَلَّةٍ أَوْ عَمَلٍ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْوَقْفَ هُوَ إعْطَاءُ الْمَنْفَعَةِ فَلَيْسَ الْوَقْفُ مِنْ بَابِ الْإِسْقَاطِ، بِخِلَافِ الْعِتْقِ وَالصَّدَقَةِ.

قَالَ خَلِيلٌ: وَالْمِلْكُ لِلْوَاقِفِ وَظَاهِرُهُ حَتَّى فِي الْمَسَاجِدِ وَقِيلَ إلَّا فِي الْمَسَاجِدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ} [الجن: 18] وَلَكِنَّ الرَّاجِحَ الْأَوَّلُ، وَفَائِدَةُ ذَلِكَ مَعَ مَنْعِهِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ أَنَّ لَهُ وَلِوَارِثِهِ مَنْعُ مَنْ يُرِيدُ إصْلَاحَهُ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ إذَا أَكْرَى بِدُونِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ يُفْسَخُ كِرَاؤُهُ لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِأَكْثَرَ، وَأَمَّا لَوْ أَكْرَى بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ زَمَنَ الْعَقْدِ فَلَا يُفْسَخُ كِرَاؤُهُ لِأَجْلِ زِيَادَةٍ عَلَيْهَا.

وَمِنْهَا: أَنَّ إجَارَةَ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ إنْ وَقَعَتْ مِنْ نَاظِرِهِ الَّذِي لَيْسَ مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ فَصَحِيحَةٌ لِعَدَمِ انْفِسَاخِهَا بِمَوْتِهِ، سَوَاءٌ كَانَ عَلَى مُعَيَّنِينَ أَوْ غَيْرِهِمْ، وَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ مِنْ بَعْضِ الْمُسْتَحَقِّينَ، فَإِنْ كَانُوا مُعَيَّنِينَ فَيَجُوزُ كِرَاؤُهَا لِغَيْرِ مَنْ مَرْجِعُهَا لَهُ نَحْوَ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ، وَلِمَنْ مَرْجِعُهَا لَهُ الْعُشْرُ سَوَاءٌ كَانَتْ تَرْجِعُ لَهُ بِمِلْكٍ أَوْ تَحْبِيسٍ هَذَا حُكْمُ الْأَرْضِ، وَأَمَّا الدُّورُ الْمَوْقُوفَةُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُكْرَى أَكْثَرَ مِنْ عَامٍ، وَهَذَا كُلُّهُ حَيْثُ لَا شَرْطَ مِنْ الْوَاقِفِ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَإِلَّا اتَّبَعَ شَرْطَهُ حَيْثُ لَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَى مُخَالَفَتِهِ وَإِلَّا جَازَتْ مُخَالَفَتُهُ، فَقَدْ أَفْتَى بَعْضُ أَكَابِرِ أَهْلِ الْغَرْبِ بِجَوَازِ كِرَاءِ دَارٍ مُحْبَسَةٍ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَتَخَرَّبَتْ وَلَمْ يُوجَدْ مَا تُعَمَّرُ بِهِ السِّنِينَ الْكَثِيرَةَ بِشَرْطِ إصْلَاحِهَا مِنْ كِرَائِهَا وَأَبَى أَنْ يَسْمَحَ بِبَيْعِهَا وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِ.

[بَاب الرَّهْن]

وَلَمَّا كَانَ بَيْنَ الرَّهْنِ

<<  <  ج: ص:  >  >>