للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

انْقَسَمَ بِلَا ضَرَرٍ قُسِمَ مِنْ رَبْعٍ وَعَقَارٍ وَمَا لَمْ يَنْقَسِمْ بِغَيْرِ ضَرَرٍ فَمَنْ دَعَا الْبَيْعَ أَجْبَرَ عَلَيْهِ مَنْ أَبَاهُ

وَقَسْمُ الْقُرْعَةِ لَا يَكُونُ

ــ

[الفواكه الدواني]

تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: لَا يَجُوزُ لِحَاكِمٍ وَلَا صَاحِبِ حَقٍّ مَنْعُ مَنْ يُسَلِّمُ عَلَى الْمَحْبُوسِ وَلَا مَنْ يَخْدُمُهُ إذَا اشْتَدَّ مَرَضُهُ وَقِيلَ مُطْلَقًا، وَلَهُ مَنْعُ زَوْجَتِهِ مِنْ الدُّخُولِ عَلَيْهِ لِلْجُلُوسِ عِنْدَهُ لَا إنْ أَرَادَتْ السَّلَامَ عَلَيْهِ كَغَيْرِهَا فَلَا تُمْنَعُ، وَعَكْسُهُ كَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ هِيَ الْمَحْبُوسَةُ وَهَذَا فِي الْحَبْسِ لِغَيْرِ الدَّاخِلِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مَحْبُوسًا لِحَقِّ صَاحِبِهِ لَجَازَ لَهُ الدُّخُولُ وَالْإِقَامَةُ أَيْضًا، وَأَمَّا لَوْ طَلَبَ الْخُرُوجَ لِنَحْوِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَلَا يُمَكَّنُ وَأَوْلَى صَلَاةُ الْعِيدِ أَوْ الْحَجُّ، وَكَذَا لَا يَخْرُجُ لِدَعْوَى عَلَيْهِ فِي حَقٍّ لِآخَرَ، وَيُوَكِّلُ مَنْ يَسْمَعُهَا عَنْهُ، وَلَا لِخَوْفٍ عَلَيْهَا مِنْ عَدُوٍّ، وَإِلَّا أَنْ يُخَافَ عَلَيْهِ الْقَتْلَ أَوْ الْأَسْرَ فَيَخْرُجُ مِنْ مَحَلٍّ آخَرَ.

الثَّانِي: قَدْ تَقَرَّرَ جَوَازُ الِافْتِرَاضِ بِشُرُوطِهِ، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِ سَرَفٍ، وَأَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِ مَحْظُورٍ، وَأَنْ يَعْلَمَ أَنَّ لَهُ قُدْرَةً عَلَى الْوَفَاءِ، فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ تِلْكَ الشُّرُوطُ لَمْ يَجُزْ لَهُ اقْتِرَاضُ مَالِ الْغَيْرِ، بَلْ يُسْتَحَبُّ لِلْإِنْسَانِ عِنْدَ عَدَمِ الضَّرُورَةِ الرَّغْبَةُ عَنْ الدَّيْنِ لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: «يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إلَّا الدَّيْنَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ، وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ.

وَفِي رِوَايَةٍ: «الْمِدْيَانُ مَحْبُوسٌ فِي دَيْنِهِ عَنْ الْجَنَّةِ وَيَجِبُ عَلَى الْمِدْيَانِ أَنْ يُوصِيَ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ فَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَالٌ وُفِّيَ عَنْهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ» فَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَعَلَيْنَا غُرْمُهُ» .

وَفِي الْأُجْهُورِيِّ نَقْلًا عَنْ الْحَطَّابِ: إنَّمَا يُحْبَسُ الْمِدْيَانُ عَنْ الْجَنَّةِ بِعَدَمِ وَفَاءِ الدَّيْنِ إذَا مَاتَ قَادِرًا عَلَى وَفَائِهِ، وَأَمَّا لَوْ مَاتَ عَاجِزًا عَنْ وَفَائِهِ فَإِنْ تَدَايَنَ لِسَرَفٍ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا لَا يَجُوزُ فَإِنَّهُ يُحْبَسُ عَنْ الْجَنَّةِ لِعَدَمِ وُجُوبِ قَضَائِهِ عَلَى السُّلْطَانِ، زَادَ الْأُجْهُورِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنَّ مَا تَدَايَنَهُ فِي مَعْصِيَةٍ وَتَابَ مِنْهَا تَوْبَةً صَحِيحَةً حُكْمُهُ حُكْمُ مَا تَدَايَنَهُ بِوَجْهٍ جَائِزٍ حَيْثُ عَلِمَ السُّلْطَانُ بِتَوْبَتِهِ فَانْظُرْهُ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَمْ يَعْرِفْ صَاحِبَهُ يَتَصَدَّقُ بِهِ صَاحِبُهُ.

[أَحْكَام الْقِسْمَة]

وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمِدْيَانِ شَرَعَ فِي الْقِسْمَةِ وَهِيَ فِي اللُّغَةِ تَمْيِيزُ الْأَنْصِبَاءِ.

وَفِي الِاصْطِلَاحِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: هِيَ تَصْيِيرُ مَشَارِعَ مِنْ مَمْلُوكِ مَالِكَيْنِ مُعَيَّنًا وَلَوْ بِاخْتِصَاصِ تَصَرُّفٍ فِيهِ بِقُرْعَةٍ أَوْ تَرَاضٍ، وَبَقِيَ قِسْمٌ ثَالِثٌ وَهِيَ قِسْمَةُ الْمُهَايَأَةِ وَعَرَّفَهَا أَيْضًا بِقَوْلِهِ: هِيَ اخْتِصَاصُ كُلِّ شَرِيكٍ فِيهِ بِمُشْتَرَكٍ فِيهِ عَنْ شَرِيكِهِ زَمَنًا مُعَيَّنًا مِنْ مُتَّحِدٍ أَوْ مُتَعَدِّدٍ، وَيَجُوزُ فِي نَفْسِ مَنْفَعَتِهِ لَا فِي غَلَّتِهِ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ الْقِسْمَةَ إمَّا قُرْعَةٌ أَوْ مُهَايَأَةٌ أَوْ مُرَاضَاةٌ، فَالْقُرْعَةُ هِيَ فِعْلُ مَا يُعَيِّنُ حَظَّ كُلِّ شَرِيكٍ مِمَّا بَيْنَهُمْ مِمَّا يَمْتَنِعُ عِلْمُهُ حِينَ فِعْلِهِ، وَالْمُرَاضَاةُ هِيَ أَخْذُ بَعْضِهِمْ بَعْضَ مَا بَيْنَهُمْ عَلَى أَخْذِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُ مَا يُعَدُّ بِتَرَاضٍ مِلْكًا لِلْجَمِيعِ، وَالْمُهَايَأَةُ تَقَدَّمَ أَنَّهَا اخْتِصَاصُ كُلِّ شَرِيكٍ بِالْمُشْتَرَكِ فِيهِ زَمَنًا مُعَيَّنًا فَقَالَ: (وَمَا انْقَسَمَ) أَيْ أَمْكَنَ قَسْمُهُ (بِلَا ضَرَرٍ) وَلَوْ عَلَى بَعْضِهِمْ (قُسِمَ) أَيْ جَازَ قَسْمُهُ بِالْفِعْلِ فَلَمْ يَتَّحِدْ الشَّرْطُ وَالْجَزَاءُ، وَبَيْنَ مَا يَنْقَسِمُ بِقَوْلِهِ: (مِنْ رَبْعٍ) أَيْ بِنَاءٍ مُتَّسِعٍ (وَعَقَارٍ) أَيْ أَرْضٍ خَالِيَةٍ وَمِنْ عَرْضٍ وَحَيَوَانٍ مُتَعَدِّدٍ.

وَقَوْلُهُ: قُسِمَ أَيْ قُرْعَةً أَوْ مُرَاضَاةً أَوْ مُهَايَأَةً، لَكِنْ قِسْمَةُ الْقُرْعَةِ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ التَّعْدِيلِ وَالتَّقْوِيمِ؛ لِأَنَّهَا تَمْيِيزُ حَقٍّ، وَسَيَأْتِي لَهَا مَزِيدُ بَيَانٍ، وَالْمُرَاضَاةُ كَالْبَيْعِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا تَعْدِيلٌ وَلَا تَقْوِيمٌ، وَالْمُهَايَأَةُ بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ أَوْ النُّونِ أَوْ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ كَالْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَكُونُ فِي الْمَنَافِعِ كَعَبْدٍ يَخْدُمُ زَيْدًا شَهْرًا وَشَرِيكَهُ شَهْرًا مَثَلًا، وَتَقَعُ لَازِمَةً إنْ عَيَّنَ الزَّمَنَ وَغَيْرَ لَازِمَةٍ إنْ لَمْ يُعَيِّنْ، كَعَبْدَيْنِ يَخْدُمُ أَحَدُهُمَا زَيْدًا وَالْآخَرُ عَمْرًا عَلَى طَرِيقِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَأَمَّا ابْنُ عَرَفَةَ فَشَرَطَ فِي صِحَّتِهَا تَعْيِينُ الزَّمَنِ، فَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَسْتَخْدِمُ عَبْدًا أَوْ يَسْكُنَ دَارًا مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ بِمُدَّةٍ (وَ) أَمَّا (مَا لَمْ يَنْقَسِمْ بِغَيْرِ ضَرَرٍ) بِأَنْ لَمْ يَقْبَلْ الْقِسْمَةَ أَصْلًا أَوْ يَقْبَلْهَا بِضَرَرٍ (فَمَنْ دَعَا إلَى الْبَيْعِ أُجْبِرَ عَلَيْهِ مِنْ أَبَاهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَسْمُهُ لِعَدَمِ إمْكَانِهِ كَالْعَبْدِ وَالْفَصِّ، أَوْ فِي قِسْمَةِ فَسَادٍ كَالْخُفَّيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ كُلِّ مُزْدَوِجَيْنِ.

قَالَ خَلِيلٌ: وَأُجْبِرَ لَهَا أَيْ لِقِسْمَةِ الْقُرْعَةِ كُلُّ مُمْتَنِعٍ إنْ انْتَفَعَ كُلٌّ مِنْ الطَّالِبِ وَالْمُمْتَنِعِ، وَلِلْبَيْعِ إنْ نَقَصَتْ حِصَّةُ شَرِيكِهِ مُفْرَدَةً لَا كَرَبْعِ غَلَّةٍ أَوْ اشْتَرَى بَعْضًا فَلَا جَبْرَ؛ لِأَنَّ رِبَاعَ الْغَلَّةِ لَا يَنْقُصُ بَيْعُهَا مُفْرَدَةً، وَمَنْ اشْتَرَى حِصَّةً دَاخِلٌ عَلَى أَنْ يَبِيعَ مُنْفَرِدًا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْبَيْعَ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ الشَّرِيكُ فِيمَا لَا يَنْقَسِمُ إلَّا بِشُرُوطٍ.

أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُتَّخِذٍ لِلْغَلَّةِ وَلَا لِلتِّجَارَةِ، وَأَنْ يَكُونَ اشْتَرَى جُمْلَةً لَا مُفَرَّقًا، وَأَنْ يَلْتَزِمَ الْآبِي النَّقْضَ لِلطَّالِبِ لِلْبَيْعِ.

(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: اعْلَمْ أَنَّ الَّذِي يَلْزَمُ عَلَى قَسْمِ ذَاتِهِ فَسَادُهُ جُمْلَةً كَالْعَبْدِ، وَالْفَصُّ لَا يَجُوزُ قَسْمُهُ لَا قُرْعَةً وَلَا مُرَاضَاةً، وَمَا تَنْقُصُ قِيمَتُهُ بِقَسْمِ ذَاتِهِ كَالْمِصْرَاعَيْنِ وَالْخُفَّيْنِ وَالسِّفْرَيْنِ فَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ قِسْمَتُهُ قُرْعَةً لَا مُرَاضَاةً، وَأَمَّا قِسْمَةُ جَمِيعِ مَا ذُكِرَ مُهَيَّأَةً فَتَجُوزُ لِانْتِفَاءِ الضَّرَرِ.

الثَّانِي: قَوْلُهُ وَمَا لَا يَنْقَسِمُ مُبْتَدَأٌ، وَقَوْلُهُ: فَمَنْ دَعَا إلَخْ خَبَرٌ وَقَرَنَهُ بِالْفَاءِ إمَّا عَلَى تَوَهُّمِ أَمَّا، أَوْ نَظَرًا إلَى مَا فِي الْمُبْتَدَأِ مِنْ الْعُمُومِ نَحْوُ: الَّذِي يَأْتِينِي فَلَهُ الْإِكْرَامُ، وَقَوْلُهُ: إلَى الْبَيْعِ كَانَ الْأَوْلَى إلَى بَيْعِهِ؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ لِلضَّمِيرِ، وَجَعْلُ

<<  <  ج: ص:  >  >>