للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ وَاحِدٍ وَكَذَلِكَ الْجَمَاعَةُ إذَا أَبْقَوْا وَاحِدًا مِنْهُمْ وَقَدْ قِيلَ لَا يَنْبَغِي ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِهِ وَذِكْرُ الْهِجْرَةِ قَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابٍ قَبْلَ هَذَا

قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ عَمَلًا أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَقَالَ عُمَرُ أَفْضَلُ

ــ

[الفواكه الدواني]

مَرِيضٍ وَلَوْ أَرْمَدَ أَوْ صَاحِبَ ضِرْسٍ، وَأَمَّا حَدِيثُ ثَلَاثَةٌ إلَخْ فَقَدْ ضَعَّفَهُ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ.

(فَائِدَةٌ) وَقَعَ الْخِلَافُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي جَوَازِ قَوْلِ الشَّخْصِ لِمَنْ صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ: ذَهَبَ الشَّرُّ فَأَفْتَى الْغُبْرِينِيُّ بِعَدَمِ الْجَوَازِ، وَأَفْتَى ابْنُ عَرَفَةَ بِالْجَوَازِ مُحْتَجًّا بِآيَةِ: {وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ} [فصلت: ٥١] وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الشَّرَّ الْمَرَضُ فَقَدْ قِيلَ لِعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهُوَ مَرِيضٌ: كَيْفَ أَصْبَحْت؟ فَقَالَ: بِشَرٍّ، فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ تَقُولُ هَذَا؟ فَقَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء: ٣٥] وَالشَّرُّ الْمَرَضُ وَالْخَيْرُ الصِّحَّةُ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا يُقَالُ لِلْمَرِيضِ: لَا تَتَسَاهَلْ هَذَا، أَوْ لَا يَسْتَحِقُّ فُلَانٌ هَذَا، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ أَلْفَاظِ الْعَوَامّ فَإِنَّهُ حَرَامٌ بِإِجْمَاعٍ، كَمَا أَفْتَى بِهِ السَّكُونِيُّ وَغَيْرُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ نِسْبَةِ الْبَارِئِ لِلْجَوْرِ، وَلَوْلَا الْقَوْلُ بِأَنَّ لَازِمَ الْمَذْهَبِ لَيْسَ بِمَذْهَبٍ لَكَانَ قَائِلُ ذَلِكَ يَكْفُرُ لِاسْتِحَالَةِ الْجَوْرِ فِي حَقِّهِ - تَعَالَى - لِاسْتِحْقَاقِهِ التَّصَرُّفَ فِي سَائِرِ الْكَائِنَاتِ بِشَهَادَةِ: {فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} [البروج: ١٦] فَهُوَ حَكَمٌ عَدْلٌ يُمْرِضُ وَيَشْفِي وَيُحْيِي وَيُمِيتُ لَا مُعَقِّبَ لَهُ فِي حُكْمِهِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهَا فِي بَابٍ جُمَلٍ مُسْتَوْفٍ. وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ أَعَادَهَا فِي بَابِ الِاسْتِئْذَانِ دَفْعًا لِمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ جَوَازِ الدُّخُولِ عَلَى الْمَرِيضِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ لِشِدَّةِ حَاجَتِهِ إلَى مَنْ يَعُودُهُ، خِلَافًا لِمَنْ ادَّعَى تَكَرُّرَهَا الْخَالِيَ عَنْ الْفَائِدَةِ.

وَلَمَّا كَانَ بَيْنَ التَّنَاجِي وَالدُّخُولِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ مُنَاسَبَةٌ وَهِيَ الِاشْتِرَاكُ فِي النَّهْيِ ذَكَرَ مَسْأَلَةَ التَّنَاجِي عَقِبَ مَسْأَلَةِ الِاسْتِئْذَانِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا) يَجُوزُ بِمَعْنَى يَحْرُمُ أَنْ (يَتَنَاجَى) أَيْ يَتَسَارَرُ (اثْنَانِ دُونَ وَاحِدٍ) لِخَبَرِ: «لَا يَحِلُّ لِثَلَاثَةِ نَفَرٍ يَكُونُونَ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ يَتَنَاجَى مِنْهُمْ اثْنَانِ دُونَ صَاحِبِهِمَا» . وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ وَصْفٌ طَرْدِيٌّ لِأَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ عَلَى عُمُومِ النَّهْيِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَإِذَا خَشِيَ الْمُتَنَاجِيَانِ أَنَّ صَاحِبَهُمَا يَظُنُّ أَنَّهُمَا يَتَحَدَّثَانِ فِي غَدْرِهِ حَرُمَ عَلَيْهِمَا كَانَ فِي سَفَرٍ أَوْ حَضَرٍ، وَإِنْ أَمِنَا مِنْ ظَنِّهِ ذَلِكَ كُرِهَ تَنَاجِيهِمَا فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ لِأَنَّهُ يَغُمُّ الْمُنْفَرِدَ، وَمَفْهُومُ دُونَ وَاحِدٍ أَنَّهُ يَجُوزُ تَنَاجِي اثْنَيْنِ دُونَ اثْنَيْنِ أَوْ جَمَاعَةٍ، وَلَمَّا كَانَ قَوْلُهُ اثْنَيْنِ لَا مَفْهُومَ لَهُ قَالَ: (وَكَذَلِكَ) أَيْ لَا يَجُوزُ تَنَاجِي (الْجَمَاعَةِ إذَا أَبْقَوْا وَاحِدًا مِنْهُمْ) فَعَنْ مَالِكٍ: «لَا يَتَنَاجَى ثَلَاثَةٌ دُونَ وَاحِدٍ» لِلنَّهْيِ عَنْ تَرْكِ وَاحِدٍ وَلَوْ كَانُوا عَشَرَةَ آلَافٍ، فَلَوْ أَبْقَوْا أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ فَلَا كَرَاهَةَ كَمَا قَدَّمْنَا، وَلَمَّا كَانَ النَّهْيُ عَنْ التَّنَاجِي مُقَيَّدًا بِمَا إذَا حَصَلَ مِنْ غَيْرِ إذْنِ الْمُنْفَرِدِ قَالَ: (وَقَدْ قُيِّدَ لَا يَنْبَغِي ذَلِكَ) أَيْ تَنَاجِي الِاثْنَيْنِ أَوْ الْجَمَاعَةِ دُونَ وَاحِدٍ (إلَّا بِإِذْنِهِ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ فَإِذَا أَسْقَطَهُ سَقَطَ، وَهَذَا الَّذِي حَكَاهُ بِقِيلَ هُوَ الْمُعْتَمَدُ فَهُوَ تَقَيُّدٌ لِلنَّهْيِ السَّابِقِ.

(تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ النَّهْيَ عَنْ التَّنَاجِي الْمَذْكُورِ نَهْيُ كَرَاهَةٍ إلَّا أَنْ يَحْصُلَ خَوْفُ الْمُنْفَرِدِ فَيَحْرُمُ، وَفِي مَعْنَى التَّنَاجِي التَّكَلُّمُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ مَعَ مَنْ لَا يَعْرِفُهَا بِحَضْرَةِ مَنْ لَا يَعْرِفُ سِوَى الْعَرَبِيَّةِ. (وَذَكَرَ الْهِجْرَةَ) بِمَعْنَى الْهِجْرَانِ الْمَعْرُوفِ عِنْدَ الْعَامَّةِ بِالْخِصَامِ (قَدْ تَقَدَّمَ) الْكَلَامُ عَلَيْهِ (فِي بَابٍ قَبْلَ هَذَا) فَلَا حَاجَةَ إلَى إعَادَتِهِ، وَإِنْ كَانَ الْأَنْسَبُ لِلْمُصَنِّفِ تَأْخِيرُهُ لِمَا بَيْنَ الْهِجْرَانِ وَالتَّنَاجِي مِنْ الْمُنَاسَبَةِ وَهِيَ الْمُشَارَكَةُ فِي النَّهْيِ.

[الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ عِنْدَ السَّفَرِ أَوْ النَّوْمِ]

ثُمَّ شَرَعَ فِي بَحْثِ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ عِنْدَ السَّفَرِ أَوْ النَّوْمِ أَوْ غَيْرِهِمَا بِقَوْلِهِ: (قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ) الصَّحَابِيُّ قَالَ فِي حَقِّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَعْلَمُكُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ» وَعُمْرُهُ ثَلَاثُونَ وَقِيلَ ثَمَانٍ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَمَقُولُ مُعَاذٍ: (مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ عَمَلًا) بَعْدَ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ (أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ) إكْثَارِ (ذِكْرِ اللَّهِ) تَعَالَى وَالذِّكْرُ الْكَامِلُ مَا كَانَ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ مَعَ فَهْمِ الْمَعْنَى.

قَالَ تَعَالَى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة: ١٥٢] أَيْ اُذْكُرُونِي بِأَلْسِنَتِكُمْ أَذْكُرْكُمْ بِرَحْمَتِي.

وَفِي الْحَدِيثِ: «قَالَ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: أَعْطَيْت أُمَّتَك مَا لَمْ أُعْطِ أُمَّةً مِنْ الْأُمَمِ، قَالَ: وَمَا ذَاكَ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: قَوْله تَعَالَى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة: ١٥٢] لَمْ يَقُلْ هَذَا لِأَحَدٍ غَيْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ» .

وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «يَقُولُ اللَّهُ: مَنْ ذَكَرَنِي ذَكَرْتُهُ» وَجَاءَ: أَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ الذِّكْرُ.

وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَفْضَلِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا عُنُقَهُ؟ قَالُوا: مَاذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ذِكْرُ اللَّهِ» .

وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَيْضًا: «لَا عِبَادَةَ كَالذِّكْرِ، قِيلَ لَهُ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إلَّا أَنْ تَضْرِبَ بِسَيْفِك حَتَّى يَنْقَطِعَ، قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثًا» وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا وَرَدَ فِي فَضْلِ الذِّكْرِ

فَالذِّكْرُ بَابُ الْوِلَايَةِ وَمِفْتَاحُ الْعِنَايَةِ، قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: هُوَ رُكْنٌ قَوِيٌّ فِي طَرِيقِ الْحَقِّ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - بَلْ هُوَ الْعُمْدَةُ فِي الطَّرِيقِ،

<<  <  ج: ص:  >  >>