فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قَتْلُ الْقَمْلِ وَالْبَرَاغِيثِ بِالنَّارِ

وَلَا بَأْسَ إنْ شَاءَ اللَّهُ بِقَتْلِ النَّمْلِ إذَا آذَتْ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَرْكِهَا وَلَوْ لَمْ تُقْتَلْ كَانَ أَحَبَّ

ـــــــــــــــــــــــــــــQ- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَيَلْحَقُ ذَلِكَ أَزِقَّتُهَا وَفَاعِلٌ جَاءَ (أَنْ تُؤْذَنَ) أَيْ الْحَيَّاتُ عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى صِيغَةِ الْأَمْرِ الْآتِيَةِ فِي الْحَدِيثِ (ثَلَاثًا) أَيْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وَهُوَ رَافِعٌ لِلْإِجْمَالِ الْوَاقِعِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، وَحَذَفَ التَّاءَ حِينَئِذٍ لِحَذْفِ الْمَعْدُودِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى طَلَبِ اسْتِئْذَانِهَا مَا فِي الْمُوَطَّإِ وَغَيْرِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا فَآذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّهُ الشَّيْطَانُ» . فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يُؤْذَنُ مَنْ لَا يَفْهَمُ؟ فَالْجَوَابُ أَنْ نَقُولَ: إنْ كَانَ جِنِّيًّا فَهُوَ أَفْهَمُ مِنْك، وَإِنْ كَانَتْ حَيَّةً فَقَدْ أَمَرَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِاسْتِئْذَانِهَا، وَصِفَةُ الِاسْتِئْذَانِ أَنْ يَقُولَ: أَنْشُدُكُنَّ بِالْعَهْدِ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَيْكُنَّ سُلَيْمَانُ أَنْ لَا تُؤْذُونَنَا، وَقِيلَ يَقُولُ لَهَا: يَا عَبْدَ اللَّهِ إنْ كُنْت مُؤْمِنًا بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْتَ مُسْلِمٌ فَلَا تَظْهَرْ لَنَا خِلَافَ الْيَوْمِ، وَقِيلَ يَقُولُ لَهَا: أُقْسِمُ عَلَيْك بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ لَا تُبَادِلُنَا وَلَا تَخْرُجُ فَإِنْ ظَهَرْت لَنَا قَتَلْنَاك، وَصَرَّحَ بِمَفْهُومِ الْمَدِينَةِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ) أَيْ الِاسْتِئْذَانَ (فِي غَيْرِهَا) أَيْ غَيْرِ مَدِينَةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - (مِنْ الْعُمْرَانِ) وَيَدْخُلُ فِيهِ مَدِينَةُ غَيْرِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - (فَهُوَ حَسَنٌ) أَيْ مَنْدُوبٌ فَتَلَخَّصَ أَنَّ وُجُوبَ اسْتِئْذَانِ الْحَيَّاتِ إنَّمَا يَجِبُ بِالْمَدِينَةِ، وَأَمَّا فِي غَيْرِ الْمَدِينَةِ فَيُنْدَبُ فِي الْعُمْرَانِ، وَأَمَّا فِي غَيْرِ الْعُمْرَانِ فَلَا يَجِبُ وَلَا يُنْدَبُ، وَمَحِلُّ وُجُوبِ الِاسْتِئْذَانِ فِي غَيْرِ الْأَبْتَرِ وَذِي الطُّفْيَتَيْنِ، وَأَمَّا هُمَا فَلَا يَجُوزُ اسْتِئْذَانُهُمَا وَيُقْتَلَانِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ وَلَوْ بِالْمَدِينَةِ، وَذُو الطُّفْيَتَيْنِ هُوَ الَّذِي عَلَى ظَهْرِهِ خَطَّانِ أَحَدُهُمَا أَخْضَرُ وَالْآخَرُ أَزْرَقُ، وَالْأَبْتَرُ هُوَ الصَّغِيرُ الذَّنَبِ وَقِيلَ هُوَ الْأَزْرَقُ، وَوَجْهُ اسْتِثْنَاءِ هَذَيْنِ لِأَنَّهُمَا يَحْفَظَانِ الْبَصَرَ وَيَطْرَحَانِ مَا فِي بُطُونِ الْأُمَّهَاتِ.

(وَلَا تُؤْذَنُ) أَيْ الْحَيَّاتُ لَا وُجُوبًا وَلَا نَدْبًا (فِي الصَّحْرَاءِ، وَ) إنَّمَا (يُقْتَلُ مَا ظَهَرَ مِنْهَا) فِي الصَّحْرَاءِ وَكَذَا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ لَا عِمَارَةَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ فِي ذَلِكَ لِبَقَائِهَا عَلَى الْأَمْرِ بِقَتْلِهَا فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْحَدَأَةُ وَالْغُرَابُ وَالْحَيَّةُ وَالْفَأْرُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ» . ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ: وَيُقْتَلُ مَا ظَهَرَ مِنْهَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ مِنْ تَمَامِ مَسْأَلَةِ حَيَّاتِ الصَّحْرَاءِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ فِيمَا ظَهَرَ مِنْهَا بَعْدَ الِاسْتِئْذَانِ، وَمَفْهُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْحَيَّاتُ أَنَّ الثُّعْبَانَ يُقْتَلُ مُطْلَقًا وَلَوْ ظَهَرَ لَهُ فِي بُيُوتِ مَدِينَةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، أَوْ الثُّعْبَانُ مُلْحَقٌ بِالْحَيَّاتِ فِي كُلِّ مَا تَقَدَّمَ كَمَا أُلْحِقَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْأَبْوَابِ.

(خَاتِمَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى مَسَائِلَ مُنَاسَبَةٍ لِمَا نَحْنُ فِيهِ) الْأُولَى: بِتَرْحِيلِ الدَّبِيبِ حَيَّةً أَوْ ثُعْبَانًا وَذَلِكَ أَنْ تَقُولَ: يَا أَيُّهَا الدَّبِيبُ يَقُولُ لَك الشَّيْخُ حَسَنُ اُلْدُنْ ذَاكَ الْمِفْرَصَ ارْحَلْ وَإِلَّا تَمُوتُ وَتُكَرِّرُهَا ثَلَاثًا فَإِنَّهُ يَرْحَلُ، وَيَنْفَعُ لِتَرْحِيلِهِ أَيْضًا التَّبْخِيرُ بِالنَّشَادِرِ الْمُلَوَّثِ بِالزَّيْتِ الطَّيِّبِ.

الثَّانِيَةُ: مِمَّا يَنْفَعُ لِدَفْعِ ضَرَرِهِ شُرْبُ اللَّبَنِ بِالنَّشَادِرِ وَيَتَقَايَؤُهُ الْمَلْسُوعُ، وَكَذَا الرُّقْيَةُ الْمُجَرَّبَةُ لِلْمَسْمُومِ وَصِفَةُ عَمَلِهَا أَنْ تَأْخُذَ حَدِيدَةً وَتُمِرَّهَا مِنْ أَعْلَى اللَّسْعَةِ فِي الْبَدَنِ أَيْ مِنْ مَحَلِّ انْتِهَاءِ السُّمِّ إلَى مَوْضِعِ اللَّسْعَةِ كَأَنَّك تَرُدُّ شَيْئًا وَأَنْتَ تَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ أُومِ سُرّ أُومِ مِنِّي بَقِيَّة بتبة كُرُور مُهَرِيقٌ كورايا أبج بهسترم رِعْلٌ سَهَرًا اسْتَرْوَحَ لَوْنه فَزُفَر سَفَاهَة، وَلَا يُزَالُ يُكَرِّرُهَا وَيُكَرِّرُ مَرَّ الْحَدِيدِ عَلَى الْمَوْضِعِ إلَى أَنْ يَجْتَمِعَ السُّمُّ بِمَوْضِعِ اللَّسْعَةِ فَتَفْتَحُهُ بِإِبْرَةٍ وَنَحْوِهَا.

الثَّالِثُ: قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: الْحَيَّاتُ هِيَ مَسْخُ الْجِنِّ كَمَا مُسِخَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ قِرَدَةً، ثُمَّ قَالَ: جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْجَانِّ وَالْمَلَائِكَةِ التَّحَوُّلَ فِي أَيِّ صُورَةٍ أَرَادُوهَا، غَيْرَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ إنَّمَا تَقْصِدُ الصُّوَرَ الْحَسَنَةَ، وَالْجَانُّ لَا يَنْضَبِطُ أَمْرُهَا بَلْ بِحَسَبِ أَخْلَاقِهَا وَخَسَاسَتِهَا، فَالْخَسِيسُ يَقْصِدُ الصُّورَةَ الْخَسِيسَةَ، وَمُقَابِلُهُ الصُّورَةُ الْعَظِيمَةُ، وَكُلُّ صُورَةٍ تَصَوَّرَ فِيهَا الْجِنُّ يَثْبُتُ لَهَا خَاصِّيَّةُ تِلْكَ الصُّورَةِ، فَالْمُتَصَوِّرُ بِالْحَيَّةِ يَصِيرُ لَهُ سُمٌّ، وَالْمُتَصَوِّرُ بِصُورَةِ الْغَنَمِ يَصِيرُ لَهُ طِيبُ اللَّحْمِ وَهَكَذَا، وَمَعَ شِدَّةِ قُوَّةِ الْجِنِّ يُقْتَلُونَ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ، وَيَحْصُلُ لَهُمْ الْعَجْزُ عَمَّا أَرَادُوهُ مِنْ فَتْحِ الْأَبْوَابِ الْمُغْلَقَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ عَظَائِمِ الْأُمُورِ الَّتِي يَقْدِرُ عَلَيْهَا الْجِنِّيُّ.

[قَتْلَ جَمِيعِ الْحَشَرَاتِ بِالنَّارِ]

ثُمَّ شَرَعَ فِي قَتْلِ مَا دُونَ الْحَيَّاتِ مِمَّا شَأْنُهُ الْإِيذَاءُ بِقَوْلِهِ: (وَيُكْرَهُ) عَلَى جِهَةِ التَّنْزِيهِ (قَتْلُ) نَحْوِ (الْقَمْلِ وَالْبَرَاغِيثِ) وَسَائِرِ الْحَشَرَاتِ (بِالنَّارِ) لِأَنَّهُ تَعْذِيبٌ وَتَمْثِيلٌ بِخَلْقِ اللَّهِ.

وَفِي الْحَدِيثِ: «لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إلَّا رَبُّ النَّارِ» .

وَفِي الذَّخِيرَةِ عَنْ الْبَيَانِ: كَرِهَ مَالِكٌ وَضْعَ الثَّوْبِ عَلَى النَّارِ بِخِلَافِ الشَّمْسِ لِمَا يُخْشَى مِنْ حَرْقِ الْحَيَوَانِ، لَا يُقَالُ: مُقْتَضَى ذَلِكَ حُرْمَةُ حَرْقِهَا لَا كَرَاهَتُهُ، لِأَنَّا نَقُولُ: إنَّمَا كُرِهَ وَلَمْ يَحْرُمْ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهَا الْإِيذَاءُ وَلَا سِيَّمَا الْبَقُّ، وَهَذَا مَا لَمْ يَعْظُمْ أَمْرُ مَا ذُكِرَ لِكَثْرَتِهِ وَإِلَّا جَازَ حَرْقُهُ بِالنَّارِ لِأَنَّ تَتَبُّعَهُ بِغَيْرِ النَّارِ حَرَجٌ وَمَشَقَّةٌ، وَمَفْهُومٌ بِالنَّارِ أَنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُهَا بِقَصْعِهَا وَعَرْكِهَا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَقَدْ سُئِلَ عَنْ حَشَرَاتِ الْأَرْضِ تُؤْذِي أَحَدًا فَقَالَ:

<<  <  ج: ص:  >  >>