للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الْمَجُوسِ يَغْتَسِلُونَ بِأَبْوَالِ الْبَقَرِ تَقَرُّبًا، فَفِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِهَا وَجْهَانِ أَخْذًا مِنْ الْقَوْلَيْنِ فِي تَعَارُضِ الْأَصْلِ وَالْغَالِبِ وَالْأَصَحُّ الْجَوَازُ، لَكِنْ يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُ أَوَانِيهِمْ وَمَلْبُوسِهِمْ وَمَا يَلِي أَسَافِلَهُمْ، أَيْ مِمَّا يَلِي الْجِلْدَ أَشَدُّ وَأَوَانِي مَائِهِمْ أَخَفُّ وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِي أَوَانِي مُدْمِنِي الْخَمْرِ وَالْقَصَّابِينَ الَّذِينَ لَا يَحْتَرِزُونَ مِنْ النَّجَاسَةِ، وَالْأَصَحُّ الْجَوَازُ أَيْ مَعَ الْكَرَاهَةِ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ.

فَصْلٌ: فِي السِّوَاكِ

ــ

[حاشية البجيرمي]

لَا يَحْرُمُ وَإِنْ مَسَّهُ بِفَمِهِ عَلَى نِزَاعٍ فِيهِ اج.

قَوْلُهُ: (مِنْ مَزَادَةٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالزَّايِ قِرْبَةٌ يُزَادُ فِيهَا مِنْ جِلْدِ غَيْرِهَا وَتُسَمَّى أَيْضًا السَّطِيحَةَ، وَالْمُرَادُ بِهَا الظَّرْفُ الَّذِي يُحْمَلُ فِيهِ الْمَاءُ كَالرَّاوِيَةِ، وَالْجَمْعُ الْمَزَاوِدُ مِنْ الزِّيَادَةِ، فَالْمِيمُ زَائِدَةٌ قِيلَ سُمِّيَتْ مَزَادَةً لِأَنَّهُ يُسْتَزَادُ فِيهَا الْمَاءُ اهـ.

قَوْلُهُ: (وَفِي تَعَارُضِ الْأَصْلِ وَالْغَالِبِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ طَهَارَتُهَا وَالْغَالِبَ نَجَاسَتُهَا. قَوْلُهُ: (أَشَدُّ) أَيْ كَرَاهَتُهُ أَشَدُّ.

قَوْلُهُ: (أَخَفُّ) أَيْ لِعَدَمِ احْتِوَائِهَا عَلَى الْجِلْدِ بِخِلَافِ الْمَلْبُوسِ. قَوْلُهُ: (وَالْقَصَّابِينَ) أَيْ الْجَزَّارِينَ مِنْ الْقَصْبِ وَهُوَ الْقَطْعُ. وَقَوْلُهُ: الَّذِينَ صِفَةٌ لِلِاثْنَيْنِ قَبْلَهُ. قَوْلُهُ: (وَالْأَصَحُّ الْجَوَازُ) أَيْ تَرْجِيحًا لِلْأَصْلِ.

قَوْلُهُ: (أَخْذًا مِمَّا مَرَّ) أَيْ لِعَدَمِ تَحَرُّزِهِمْ.

[فَصْلٌ فِي السِّوَاكِ]

ِ أَيْ فِي حَقِيقَتِهِ وَحُكْمِ اسْتِعْمَالِهِ وَالْأَمَاكِنِ الَّتِي يَتَأَكَّدُ فِيهَا. وَالْمُصَنِّفُ ذَكَرَ ثَلَاثَةَ أَحْكَامٍ: نَدْبَهُ بِكُلِّ حَالٍ، وَكَرَاهَتَهُ لِلصَّائِمِ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَتَأَكُّدَهُ فِي ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ. وَزَادَ الشَّارِحُ مَسَائِلَ: مِنْهَا نَدْبُ كَوْنِهِ فِي عَرْضِ الْأَسْنَانِ، وَتَرْتِيبِ آلَتِهِ، وَفِعْلِهِ بِالْيَمِينِ فِي يَمِينِ الْفَمِ وَفَوَائِدُهُ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ أَحْكَامَهُ أَرْبَعَةٌ لِأَنَّهُ تَارَةً يَكُونُ وَاجِبًا كَأَنْ تَوَقَّفَ عَلَيْهِ زَوَالُ النَّجَاسَةِ أَوْ رِيحٍ كَرِيهَةٍ فِي نَحْوِ جُمُعَةٍ، وَتَارَةً يَكُونُ حَرَامًا كَاسْتِعْمَالِ سِوَاكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ أَيْ وَلَمْ يَعْلَمْ رِضَاهُ، وَتَارَةً يَكُونُ مَكْرُوهًا، وَذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الْكَيْفِيَّةُ كَاسْتِعْمَالِهِ طُولًا فِي غَيْرِ اللِّسَانِ، وَتَارَةً يَكُونُ مَنْدُوبًا وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَلَا تَعْتَرِيهِ الْإِبَاحَةُ؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ مَا كَانَ أَصْلُهُ النَّدْبَ لَا تَعْتَرِيهِ الْإِبَاحَةُ.

وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ الْفَتَاوَى الْخَيْرِيَّةِ فِي مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ مَا نَصُّهُ: سُئِلَ هَلْ يُكْرَهُ الِاشْتِرَاكُ فِي الْمُشْطِ وَالْمِيلِ وَالسِّوَاكِ كَمَا هُوَ شَائِعٌ بَيْنَ الْعَوَامّ يَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ لَيْسَ فِيهَا اشْتِرَاكٌ الْمُشْطُ وَالْمِرْوَدُ وَالسِّوَاكُ أَمْ لَا؟ . أَجَابَ: أَمَّا السِّوَاكُ بِسِوَاكِ غَيْرِهِ فَقَدْ صَرَّحَ فِي الضِّيَاءِ الْمَعْنَوِيِّ فِي شَرْحِ مُقَدِّمَةِ الْقُونَوِيِّ؛ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ وَمِثْلُهُ الْمُشْطُ وَالْمِيلُ، وَأَمَّا قَوْلُ النَّاسِ بِالْكَرَاهَةِ فَإِنَّمَا ذَلِكَ لِكَرَاهَةِ نُفُوسِهِمْ الِاشْتِرَاكَ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ لِئَلَّا تَحْصُلَ النَّفْرَةُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُمْ يَعَافُونَ مِنْهُ، فَرُبَّمَا وَقَعَتْ الْكَرَاهَةُ بَيْنَهُمْ بِسَبَبِهِ لَا أَنَّهُ وَرَدَ فِيهِ نَصٌّ خَاصٌّ مِنْ جَانِبِ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ يُوجِبُ مَحْظُورِيَّتَهُ. وَعِبَارَةُ الرَّوْضِ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَاكَ بِسِوَاكِ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ؟ بَلْ زَادَ فِي الْمَجْمُوعِ وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فَالْكَرَاهَةُ لَا أَصْلَ لَهَا. اهـ.

وَمُنَاسَبَةُ ذِكْرِهِ عَقِبَ الْمِيَاهِ وَالدَّابِغِ أَنَّهُ آلَةٌ فِي إزَالَةِ الْقَذَرِ، وَإِنْ كَانَ أَيْ الْقَذَرُ طَاهِرًا، وَقُدِّمَ عَلَى الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ الْفِعْلِيَّةِ الْخَارِجَةِ عَنْهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ م ر. فَمَحَلُّهُ قَبْلَ غَسْلِ الْكَفَّيْنِ فَيَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ م ر. وَعِنْدَ ابْنِ حَجَرٍ مَحَلُّهُ بَعْدَ غَسْلِ الْكَفَّيْنِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الْوُضُوءِ تَشْمَلُهُ فَيَكُونُ مِنْ سُنَنِهِ الدَّاخِلَةِ، وَذَكَرَهُ فِي التَّحْرِيرِ تَبَعًا لِلتَّنْقِيحِ فِي سُنَنِ الصَّلَاةِ لِمَا قِيلَ إنَّهُ فِيهَا آكَدُ لِلْخِلَافِ فِي وُجُوبِهِ لَهَا، فَقَدْ حُكِيَ عَنْ دَاوُد أَنَّهُ أَوْجَبَهُ وَلَمْ تَبْطُلْ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهِ، وَعَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ أَنَّهُ وَاجِبٌ وَتَرْكُهُ عَمْدًا مُبْطِلٌ لِلصَّلَاةِ، لَكِنْ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَهَذَا النَّقْلُ عَنْ إِسْحَاقَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ وَلَا يَصِحُّ عَنْهُ. اهـ.

وَالسِّوَاكُ يُطْلَقُ عَلَى الْفِعْلِ وَعَلَى آلَتِهِ وَعَلَيْهِمَا مَعًا، وَيَجُوزُ تَذْكِيرُهُ وَتَأْنِيثُهُ. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَفِيهِ نَظَرٌ بِدَلِيلِ حَدِيثِ: «هَذَا سِوَاكِي وَسِوَاكُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي» . وَفِي الْأَوَائِلِ أَنَّ أَوَّلَ

<<  <  ج: ص:  >  >>