للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

ذَلِكَ.

(وَسُئِلَ) عَمَّا اُعْتِيدَ أَنَّ الْآكِلَ أَوْ الْآكِلِينَ يَقُومُ عَلَى رُءُوسِهِمْ وَاحِدٌ أَوْ أَكْثَرُ أَجْنَبِيٌّ أَوْ خَادِمٌ هَلْ هُوَ بِدْعَةٌ وَإِنْ اُضْطُرَّ لِذَلِكَ لِنَشِّ الذُّبَابِ أَوْ نَحْوِهِ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ هُوَ بِدْعَةٌ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالْأَعَاجِمِ وَمِنْ الْكِبْرِ وَالْخُيَلَاءِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُحْتَاجَ لِذَلِكَ لِتَنْفِيرِ مُؤْذٍ كَذُبَابٍ وَلَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ وَهُوَ قَاعِدٌ فَلَا بَأْسَ بِالْقِيَامِ لِهَذَا الْعُذْرِ لِأَنَّهُ يَنْفِي التَّشَبُّهَ وَالْكِبْرَ الْمَذْكُورَيْنِ وَفِعْلُ الْمُضِيفِ لِنَحْوِ نَشِّ الذُّبَابِ بِنَفْسِهِ أَوْلَى لِأَنَّهُ إكْرَامٌ لِلضَّيْفِ وَكُلُّ إكْرَامٍ لَهُ يُسَنُّ لِلْمُضِيفِ فِعْلُهُ بِنَفْسِهِ فَإِنْ تَعَسَّرَ عَلَيْهِ فَبِمَأْذُونِهِ.

(وَسُئِلَ) عَمَّنْ نَقَلَ أَنَّ الرَّغِيفَ لَا يُحْضَرُ بَيْن يَدَيْ آكِلِهِ حَتَّى يَخْدِمَ فِيهِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ عَالَمًا بِفَتْحِ اللَّامِ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَقَلَ ذَلِكَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِي تَفْسِيرِهِ وَمِنْ ثَمَّ يَنْبَغِي لِلْآكِلِ أَنْ يَسْتَشْعِرَ فِي نَفْسِهِ ذَلِكَ وَيَتَأَمَّلَ كَمْ مِنْ عَالَمٍ عُلْوِيّ وَسُفْلِيٍّ خَدَمَتْهُ فِيهِ لِيَعْلَمَ قَدْرَ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي إحْضَارِ هَذَا الرَّغِيفِ بَيْن يَدَيْهِ فَيَشْكُر اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُعْتَقِدًا عَجْزَهُ عَنْ حَقِّ شُكْرِهِ وَأَنَّ لَهُ عَلَيْهِ نِعَمًا لَا تُحْصَى.

(وَسُئِلَ) عَمَّنْ يَأْكُلُ وَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي فَمِهِ ثُمَّ يَرُدُّهَا لِلطَّعَامِ هَلْ يُكْرَه لَهُ ذَلِكَ وَكَذَا لَعْقُ الْأَصَابِعِ قَبْل الْفَرَاغِ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ كُلٌّ مِنْ الرَّدِّ وَاللَّعْقِ قَبْل الْفَرَاغِ خِلَافُ الْأَوْلَى أَوْ مَكْرُوهٌ لِأَنَّ الْيَدَ إذَا أَصَابَهَا شَيْءٌ مِنْ اللُّعَاب فَعَادَتْ إلَى الطَّعَامِ إمَّا يَعَافُهُ هُوَ أَوْ مَنْ يَرَاهُ فَيُشَوِّشُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ فَيُسَنُّ لَهُ غَسْلُ يَدِهِ حَيْثُ أَصَابَهَا شَيْءٌ مِنْ اللُّعَابِ قَبْل رَدِّهَا لِلطَّعَامِ وَمِنْ ثَمَّ قَالُوا يُسَنُّ لِآكِلِ نَحْوِ التَّمْرِ أَنْ يُلْقِيَ نَوَاهُ عَلَى ظَهْرِ يَدِهِ ثُمَّ يُلْقِيَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّ بَاطِنَ يَدِهِ وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ الْمَأْكُولِ رِيقُهُ.

(وَسُئِلَ) عَنْ الْأَكْلِ بِالْمَلَاعِقِ هَلْ هُوَ بِدْعَةٌ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ بِدْعَةٌ قَبِيحَةٌ إنْ أَصَابَهَا شَيْءٌ مِنْ لُعَابِهِ ثُمَّ رَدَّهَا لِلطَّعَامِ أَوْ إنْ كَانَ فِيهِ نَوْعُ تَكَبُّرٍ أَوْ تَشَبُّهٍ بِالْأَعَاجِمِ وَإِلَّا فَلَا وَجْهَ لِقُبْحِهَا.

(وَسُئِلَ) هَلْ يُسَنُّ فِي الْأَكْلِ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ أَوَّلًا ثُمَّ بَعْد ذَلِكَ يَأْكُلُ كَيْف تَيَسَّرَ كَمَا قِيلَ بِذَلِكَ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ ذَكَرَ صَاحِبُ الْمَدْخَلِ أَنَّ الْبُدَاءَةَ فِي مَضْغِ أَوَّل لُقْمَةٍ بِنَاحِيَةِ الْيَمِينِ هِيَ السُّنَّةُ لِلْأَمْرِ بِالتَّيَامُنِ وَهُوَ عَامٌّ فِي الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ وَبَعْد ذَلِكَ يَأْكُلُ كَيْف شَاءَ قَالَ وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ شَابًّا دَخَلَ عَلَيْهِ فَقَدَّمَ لَهُ أَكْلًا فَأَكَلَ بِالْيَسَارِ فَقَالَ لَهُ مَنْ شَيْخُك قَالَ يَا سَيِّدِي نَاحِيَةُ الْيَمَنِ تَوْجَعُنِي فَقَالَ لَهُ كُلْ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْك وَعَمَّنْ رَبَّاك اهـ وَقِيَاسُ مَذْهَبِنَا ذَلِكَ إلْحَاقًا لَهُ بِنَحْوِ اللُّبْسِ وَالسِّوَاكِ فَإِنَّهُ يُسَنُّ التَّيَمُّنُ فِي ابْتِدَاءِ كُلٍّ مِنْهُمَا لَا يُقَالُ الْفَرْقُ بَيْنهمَا وَبَيْن الْأَكْلِ وَاضِحٌ بِأَنَّهُمَا مِنْ بَابِ الْإِكْرَامِ وَهُوَ يُسَنُّ فِيهِ التَّيَامُنُ بِخِلَافِ الْأَكْلِ فَإِنَّهُ لَا إكْرَامَ فِيهِ وَمَا لَا إكْرَامَ فِيهِ لَا يُسَنُّ فِيهِ التَّيَامُنُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ لِأَنَّا نَقُولُ كَوْنُ الْأَكْلِ لَا إكْرَامَ فِيهِ مَمْنُوعٌ بَلْ هُوَ مِنْ بَاب الْإِكْرَامِ لِأَنَّهُ وِقَايَةٌ لِلْبَدَنِ مِنْ الْأَذَى فَكَانَ كَاللُّبْسِ بَلْ أَوْلَى وَقَدْ صَرَّحُوا بِنَدْبِ التَّيَمُّنِ فِي الْكُحْلِ الَّذِي هُوَ غِذَاءُ الْعَيْنِ فَغِذَاءُ الْبَدَنِ كُلِّهِ أَوْلَى.

(وَسُئِلَ) عَنْ التَّكَلُّفِ الْمَذْمُومِ مَا حَدُّهُ؟

(فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ حَدُّهُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَشَقَّةٌ عُرْفًا إمَّا بِأَنْ لَا يَتَيَسَّر لَهُ الشَّيْءُ إلَّا بِدَيْنٍ وَالدَّائِنُ مُتَكَرِّهٌ مِنْ اسْتِدَانَتِهِ أَوْ وَالْمَدِينُ يَعْسُرُ عَلَيْهِ أَنْ يَبْذُلَ وَجْهَهُ لِلدَّائِنِ حَتَّى يَقْتَرِضَ مِنْهُ أَوْ لَا يَكُونُ لَهُ جِهَةٌ ظَاهِرَةٌ يُوفِي مِنْهَا لِأَنَّ الِاسْتِدَانَةَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الْأَخِيرَةِ حَرَامٌ أَوْ بِأَنْ لَا يَكُونَ دَيْنٌ وَلَكِنْ عَلَيْهِ مَصْرِفٌ أَهَمُّ بِطَرِيقِ النَّدْبِ فَيُقَدَّمُ ذَلِكَ عَلَى التَّكَلُّفِ أَمَّا الْأَهَمُّ بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ فَيَحْرُمُ تَقْدِيمُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ وَلَوْ تَعَارَضَ التَّكَلُّفُ وَمَقْصِدٌ صَالِح بِأَنْ أَحَبَّ أَنْ يَظْهَرَ أَثَرُ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ أَوْ جَاءَهُ مَنْ لَوْ لَمْ يَتَكَلَّفْ لَهُ لَحَصَلَ لَهُ مِنْهُ ضَرَرٌ وَلَوْ بِالْغِيبَةِ وَالذَّمِّ أَوْ كَانَ فِي ذَلِكَ التَّكَلُّفِ إعَانَةٌ لِلنَّاسِ عَلَى الِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ مَقَاصِدِ الْخَيْرِ فَمَا الَّذِي يُقَدَّمُ هَلْ يُتْرَكُ حَذَرًا مِنْ التَّكَلُّفِ أَوْ يُفْعَلُ وَلَوْ مَعَ التَّكَلُّفِ حِيَازَةً لِثَوَابِ ذَلِكَ الْمَقْصِدِ الصَّالِحِ هَذَا مِمَّا يَتَرَدَّدُ النَّظَرُ فِيهِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي الْآن أَنَّهُ حَيْثُ سَهُلَتْ عَلَيْهِ الِاسْتِدَانَةُ وَكَانَ لَهُ جِهَةٌ ظَاهِرَةٌ يُوفِي مِنْهَا أَوْ كَانَ مَعَهُ مَالٌ وَعَلَيْهِ مَصَارِفُ صَالِحَةٌ وَأَمْكَنَهُ جَعْلُ هَذَا الَّذِي نَحْنُ فِيهِ مِنْ جُمْلَتِهَا فَلَا بَأْسَ بِالتَّكَلُّفِ

<<  <  ج: ص:  >  >>