<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[فَصْلٌ فِي اللِّعَانِ]

ِ (ابْنُ عَرَفَةَ) اللِّعَانُ حَلِفُ الزَّوْجِ عَلَى زِنَا زَوْجَتِهِ أَوْ نَفْيِ حَمْلِهَا اللَّازِمِ لَهُ وَحَلِفُهَا عَلَى تَكْذِيبِهِ إنْ أَوْجَبَ نُكُولُهَا حَدَّهَا بِحُكْمِ قَاضٍ (الرَّصَّاعُ) قَوْلُهُ: " أَوْ نَفْيِ حَمْلِهَا " يَصْدُقُ بِنَفْيِ الْحَمْلِ وَالْوَلَدِ لِأَنَّ مَنْ نَفَى حَمْلًا فَقَدْ نَفَى الْوَلَدَ وَكَذَلِكَ الْعَكْسُ، وَقَوْلُهُ: " اللَّازِمِ لَهُ " أَخْرَجَ بِهِ الْحَمْلَ غَيْرَ اللَّازِمِ لَهُ فَإِنَّهُ لَا لِعَانَ فِيهِ كَمَا إذَا أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ الْعَقْدِ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الزَّوْجُ خَصِيًّا أَوْ مَجْبُوبًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، وَيَدْخُلُ مَا إذَا وَضَعَتْهُ وَسَكَتَ فَإِنَّهُ لَازِمٌ لَهُ. وَقَوْلُهُ: " وَحَلِفُهَا عَلَى تَكْذِيبِهِ إنْ أَوْجَبَ نُكُولُهَا حَدَّهَا " أَخْرَجَ بِهِ مَا إذَا حَلَفَ وَنَكَلَتْ وَلَمْ يُوجِبْ النُّكُولُ حَدَّهَا كَمَا إذَا غُصِبَتْ فَأَنْكَرَ وَلَدَهَا وَثَبَتَ الْغَصْبُ فَلَا لِعَانَ عَلَيْهَا وَإِنَّمَا اللِّعَانُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ، وَهَذِهِ الصُّورَةُ تَرُدُّ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ لِأَنَّهُ صَيَّرَ اللِّعَانَ يَلْزَمُهُ يَمِينَانِ، وَزِيَادَةُ الشَّيْخِ تُخْرِجُ هَذِهِ الصُّورَةَ وَأَنَّ حَلِفَهُمَا مَعًا مَشْرُوطٌ بِكَوْنِ نُكُولِهَا يُوجِبُ حَدَّهَا، وَقَوْلُهُ: " بِحُكْمِ قَاضٍ " أَخْرَجَ بِهِ لِعَانَ الزَّوْجَةِ وَالزَّوْجِ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِلِعَانٍ شَرْعِيٍّ وَيَخْرُجُ بِهِ السُّكُوتُ عَلَى وَضْعِ الْوَلَدِ فَلَا يَرُدُّ عَلَى الشَّيْخِ حَلِفُهُمَا مَرَّةً وَاحِدَةً رَاجِعْ ابْنَ عَرَفَةَ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَحْكُمُ بِذَلِكَ فَلَيْسَ بِلِعَانٍ شَرْعِيٍّ اهـ.

وَمَعْنَى قَوْلِ الرَّصَّاعِ: " وَيَخْرُجُ بِهِ السُّكُوتُ " إلَخْ أَنَّ مَنْ وَضَعَتْ زَوْجَتُهُ وَسَكَتَ وَلَمْ يَنْفِهِ ثُمَّ أَرَادَ نَفْيَهُ بِاللِّعَانِ فَإِنَّهُ لَا يُلَاعِنُ. وَتَخْرُجُ هَذِهِ الصُّورَةُ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْحَدِّ: " بِحُكْمِ قَاضٍ " لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَحْكُمُ بِاللِّعَانِ بَعْدَ السُّكُوتِ عَلَى الْوَضْعِ، وَكَذَا قَوْلُهُ فِي الْحَدِّ: " حَلِفُ الزَّوْجِ وَحَلِفُ الزَّوْجَةِ " يُصَدَّقُ بِمَا إذَا حَلَفَ عَلَى مَا ذَكَرَ يَمِينًا وَاحِدَةً وَحَلَفَتْ هِيَ عَلَى تَكْذِيبِهِ يَمِينًا وَاحِدَةً أَيْضًا فَأُخْرِجَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ " بِحُكْمِ قَاضٍ " لِأَنَّهُ لَا يَحْكُمُ بِاللِّعَانِ إلَّا عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَإِنَّمَا لِلزَّوْجِ أَنْ يَلْتَعِنَا ... لِنَفْيِ حَمْلٍ أَوْ لِرُؤْيَةِ الزِّنَا

مَعَ ادِّعَائِهِ لِلِاسْتِبْرَاءِ ... وَحَيْضَةٍ بَيِّنَةِ الْإِجْزَاءِ

يَعْنِي أَنَّ الزَّوْجَ إنَّمَا يُلَاعِنُ زَوْجَتَهُ لِأَحَدِ وَجْهَيْنِ إمَّا لِنَفْيِ حَمْلٍ يَظْهَرُ بِهَا فَيُنْكِرُهُ وَيَدَّعِي أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ، وَإِمَّا لِكَوْنِهِ رَآهَا تَزْنِي كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ، وَإِنَّمَا يُلَاعِنُ لِنَفْيِ حَمْلٍ ظَهَرَ بِهَا إذَا اعْتَمَدَ عَلَى اسْتِبْرَائِهَا بِحَيْضَةٍ فَأَكْثَرَ يَعْنِي أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي، وَيَكْفِي فِي هَذَا الِاسْتِبْرَاءِ حَيْضَةٌ وَاحِدَةٌ، وَفُهِمَ مَنْ قَوْلِهِ: " وَإِنَّمَا لِلزَّوْجِ أَنْ يَلْتَعِنَا " أَنَّ السَّيِّدَ لَا يُلَاعِنُ أَمَتَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ وَيُشْتَرَطُ فِي الْمُلَاعِنِ شُرُوطٌ (ابْنُ الْحَاجِبِ) وَشَرْطُ الْمُلَاعِنِ أَنْ يَكُونَ زَوْجًا مُسْلِمًا مُكَلَّفًا فَيُلَاعِنُ الْحُرُّ الْحُرَّةَ وَالْأَمَةَ وَالْكِتَابِيَّةَ وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ فِيهِنَّ اهـ.

وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّهُ يُعْتَمَدُ فِي نَفْيِ الْحَمْلِ عَلَى الِاسْتِبْرَاءِ هُوَ الْمَشْهُورُ قَالَهُ عِيَاضٌ وَقِيلَ لَا يُعْتَمَدُ عَلَى ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ اُخْتُلِفَ هَلْ يُعْتَمَدُ فِي نَفْيِ الْحَمْلِ عَلَى الرُّؤْيَةِ وَحْدَهَا ثُمَّ يَظْهَرُ حَمْلٌ أَمْ لَا؟ وَكَذَلِكَ اُخْتُلِفَ هَلْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِمَا مَعًا أَعْنِي الِاسْتِبْرَاءَ وَالرُّؤْيَةَ كَمَا إذَا اسْتَبْرَأَهَا مِنْ وَطْئِهِ ثُمَّ رَآهَا بَعْدَ ذَلِكَ تَزْنِي ثُمَّ ظَهَرَ حَمْلٌ؟ وَالْمَشْهُورُ اعْتِمَادُهُ عَلَى الِاسْتِبْرَاءِ وَحْدَهُ كَمَا ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ وَأَحْرَى مَعَ الرُّؤْيَةِ وَأَمَّا الرُّؤْيَةُ وَحْدَهَا فَلَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهَا فِي نَفْيِ الْحَمْلِ عَلَى الْمَشْهُورِ. (التَّوْضِيحَ) وَالْأَظْهُر أَنَّهُ لَا يَعْتَمِد عَلَى أَحَدهمَا بَلْ وَلَا عَلَيْهِمَا لِأَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْحَامِل تَحِيض يَصِحّ لَهُ النَّفْيُ.

وَالْقَوْلُ بِاعْتِمَادِهِ عَلَى الرُّؤْيَةِ أَضْعَفُ لَأَنْ الْحَيْضَ عَلَامَةٌ ظَنِّيَّةٌ عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ بِخِلَافِ رُؤْيَتِهِ فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحَمْلِ أَلْبَتَّةَ اهـ وَقَالَ قَبْلَهُ يَلِيهِ يُعْتَمَدُ فِي نَفْيِ الْوَلَدِ أَوْ الْحَمْلِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ وَاخْتُلِفَ فِي رَابِعٍ وَمَعْنَى اعْتِمَادِهِ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ فِي الشَّرْعِ أَنْ يَنْفِيَ الْوَلَدَ بِذَلِكَ، الْأَوَّلُ: إذَا لَمْ يَطَأْهَا بَعْدَ وَضْعٍ يَعْنِي وَقَدْ طَالَ مَا بَيْنَ الْوَضْعَيْنِ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ الْوَلَدُ الثَّانِي مِنْ بَقِيَّةِ الْأَوَّلِ، الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ وَطِئَهَا بَعْدَ الْوَضْعِ وَلَكِنْ بَيْنَ هَذَا الْحَمْلِ وَالْإِصَابَةِ مُدَّةٌ لَا يَتَأَتَّى فِيهَا وَلَدٌ إمَّا لِقِلَّةِ الزَّمَانِ كَخَمْسَةِ أَشْهُرٍ

<<  <  ج: ص:  >  >>