فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الثَّانِي، وَذَلِكَ هُوَ التَّعْجِيزُ اهـ. وَفِي التَّوْضِيحِ مَا ذَكَرَهُ أَيْ ابْنُ الْحَاجِبِ مِنْ أَنَّهُ إذَا ذَكَرَ أَنَّ لَهُ حُجَّةً وَتَبَيَّنَ لَدَدُهُ يَقْضِي الْقَاضِي عَلَيْهِ هُوَ التَّعْجِيزَ اهـ.

(تَنْبِيهٌ) قَالَ فِي التَّبْصِرَةِ وَلَمْ تَجْرِ عَادَةُ الْمُوَثِّقِينَ بِإِفْرَادِ عَقْدِ التَّعْجِيزِ، وَإِنَّمَا يُضَمِّنُونَهُ عَقْدَ السِّجِلَّاتِ فَنَقُولُ: أَشْهَدَ الْقَاضِي فُلَانٌ أَنَّ فُلَانًا قَامَ عِنْدَهُ وَادَّعَى عَلَى فُلَانٍ كَذَا وَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَكَلَّفَ الْقَائِمَ الْإِثْبَاتَ وَأَجَّلَهُ أَجَلًا بَعْدَ أَجَلٍ ثُمَّ تَلَوَّمَ لَهُ فَلَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ فَسَأَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ تَعْجِيزَ وَقَطْعَ دَعْوَاهُ عَنْهُ، فَأَجَابَهُ الْقَاضِي إلَى ذَلِكَ وَسَأَلَ الْحَاكِمُ الْمُدَّعِي أَبَقِيَتْ لَك حُجَّةٌ؟ فَقَالَ: لَا فَاسْتَبَانَ لَهُ عَجْزُهُ فَعَجَّزَهُ وَقَطَعَ عَنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ طَلَبَهُ وَتَعْنِيَتَهُ، وَسَجَّلَ بِذَلِكَ وَأَشْهَدَ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ فِي تَارِيخِ كَذَا ا. هـ. بِبَعْضِ اخْتِصَارٍ.

(فَرْعٌ) فَإِنْ حَكَمَ عَلَى الْقَائِمِ بِإِسْقَاطِ دَعْوَاهُ حِينَ لَمْ يَجِدْ بَيِّنَةً مِنْ غَيْرِ صُدُورِ تَعْجِيزٍ ثُمَّ وَجَدَ بَيِّنَةً فَلَهُ الْقِيَامُ بِهَا وَيَجِبُ الْقَضَاءُ لَهُ. (تَنْبِيهٌ) مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمُعْجِزَ إذَا أَتَى بِبَيِّنَةٍ لَمْ تُسْمَعْ هُوَ أَحَدُ أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ: وَثَانِيهَا: أَنَّهَا تُسْمَعُ، وَثَالِثُهَا: أَنَّ ذَلِكَ يُقْبَلُ مِنْ الطَّالِبِ دُونَ الْمَطْلُوبِ، وَهَذَا الْخِلَافُ إذَا عَجَّزَهُ الْقَاضِي بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِالْعَجْزِ، وَأَمَّا إذَا عَجَّزَهُ بِالتَّلَوُّمِ وَالْإِعْذَارِ وَهُوَ يَدَّعِي أَنَّ لَهُ حُجَّةً، فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ مَا أَتَى بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ عَلَى ذَا الْقَوْلِ إلَى. (إذَا قِيلَ بِإِمْضَاءِ التَّعْجِيزِ فِي كُلِّ شَيْءٍ فَلَا يُلْتَفَتْ) إلَى مَا يَأْتِي بِهِ فَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ تَعْجِيزِهِ أَنَّهُ يُنْظَرُ لِمَا يَأْتِي بِهِ وَيُعْمَلُ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ الشُّهُودِ وَأَنْوَاعِ الشَّهَادَاتِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ]

َ الشُّهُودُ جَمْعُ شَاهِدٍ، وَأَنْوَاعُ الشَّهَادَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ النَّاظِمُ فِي الْفَصْلِ الْآتِي خَمْسَةٌ، وَالشَّهَادَةُ وَالرِّوَايَةُ خَبَرَانِ غَيْرَ أَنَّ الْمُخْبَرَ عَنْهُ إنْ كَانَ عَامًّا لَا يَخْتَصُّ بِمُعَيَّنِ، فَهُوَ الرِّوَايَةُ كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ بَلْ هُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ الْخَلْقِ، بِخِلَافِ قَوْلِ الْعَدْلِ عِنْدَ الْحَاكِمِ لِهَذَا عِنْدَ هَذَا دِينَارٌ، فَإِنَّهُ إلْزَامُ الْمُعَيَّنِ لَا يَتَعَدَّاهُ وَالْأَوَّلُ هُوَ الرِّوَايَةُ، وَالثَّانِي هُوَ الشَّهَادَةُ قَالَهُ الْقَرَافِيُّ، ثُمَّ أَوْرَدَ سُؤَالًا قَائِلًا مَا قَرَّرْنَاهُ مِنْ أَنَّ الشَّهَادَةَ تَتَعَلَّقُ بِجُزْئِيٍّ مَنْقُوضٍ بِأَنَّهَا قَدْ تَتَعَلَّقُ بِكُلِّيٍّ كَالشَّهَادَةِ عَلَى الْفُقَرَاءِ فِي الْوَقْفِ، وَكَذَلِكَ الرِّوَايَةُ قَدْ تَتَعَلَّقُ بِجُزْئِيٍّ كَالْإِخْبَارِ عَنْ النَّجَاسَةِ فِي الثَّوْبِ وَالْمَاءِ الْمُعَيَّنَيْنِ.

(وَأَجَابَ) عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْعُمُومَ فِي الشَّهَادَةِ بِالْعَرْضِ، وَالْمَقْصُودُ الْأَوَّلُ إنَّمَا هُوَ الْجُزْئِيُّ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْوُقُوفِ إنَّمَا هُوَ الْوَاقِفُ لِيَنْزِعَ الْمَالَ مِنْ يَدِهِ، وَكَوْنُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ لَا يَقْدَحُ، وَعَنْ الثَّانِي الْإِخْبَارُ عَنْ نَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُعَيَّنِ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ وَصْفِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ صِفَةٌ كُلِّيَّةٌ، لَا بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ الْمَخْصُوصَةِ، وَلِذَلِكَ كَانَ كُلُّ مَاءٍ مُمَاثِلٍ لَهُ فِي الصِّفَةِ الَّتِي حُكِمَ عَلَيْهِ بِالنَّجَاسَةِ مُمَاثِلٌ لَهُ فِي الْحُكْمِ بِنَجَاسَتِهِ.

وَشَاهِدٌ صِفَتُهُ الْمَرْعِيَّةُ تَيَقُّظٌ عَدَالَةٌ حُرِّيَّهْ

ذَكَرَ فِي هَذَا الْبَيْتِ صِفَةَ الشَّاهِدِ الْمَقْبُولِ الشَّهَادَةِ إلَّا أَنَّ بَعْضَهَا مُصَرَّحٌ بِهِ وَبَعْضَهَا دَاخِلٌ فِيهِ بِالتَّضَمُّنِ.

(أَوَّلُهَا الْعَدَالَةُ) وَيَأْتِي تَفْسِيرُهَا فِي الْبَيْتَيْنِ بَعْدَ هَذَا. (قَالَ الشَّارِحُ) : وَهِيَ مُتَضَمِّنَةٌ لِلْإِسْلَامِ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ فِي أَدَائِهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: 282] وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ لَا يُرْضَى لَيْسَ أَهْلًا لِلشَّهَادَةِ.

(الثَّانِي التَّيَقُّظُ) : وَهُوَ الْفِطْنَةُ وَالتَّحَرُّزُ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْغَفْلَةِ أَوْ الْبَلَهِ لَمْ يُؤْمَنْ عَلَيْهِ التَّحَيُّلُ مِنْ أَهْلِ الْحِيَلِ فَيَشْهَدُ بِالْبَاطِلِ. (قَالَ الشَّارِحُ) : وَاشْتِرَاطُ التَّيَقُّظِ أَخَصُّ مِنْ اشْتِرَاطِ التَّكْلِيفِ الْمُتَضَمِّنِ لِلْعَقْلِ وَالْبُلُوغِ فَيَسْتَلْزِمُهُمَا حَسْبَ مَا مَرَّ التَّنْبِيهُ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ فِي شُرُوطِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ إذَا اشْتَرَطَ التَّيَقُّظَ الَّذِي لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَّصِفَ بِهِ إلَّا مَنْ حَصَلَ لَهُ مُطْلَقُ وَصْفِ الْعَقْلِ لِكَوْنِ التَّيَقُّظِ زِيَادَةً عَلَيْهِ فَأَحْرَى أَنْ تَحْصُلَ مَظِنَّةُ الْعَقْلِ الَّتِي هِيَ الْبُلُوغُ، فَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ الِاكْتِفَاءُ دُونَ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ وَقَدْ اُشْتُرِطَ مَا لَا يَكُونُ تَامًّا إلَّا بَعْدَ حُصُولِهِمَا؟ وَذَلِكَ ظَاهِرٌ فَاشْتِرَاطُ التَّيَقُّظِ

<<  <  ج: ص:  >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير