فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فَلَمَّا رَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَرْثَدٍ الثَّقَفِيُّ مَا لَقِيَ أَبُو عُبَيْدٍ وَخُلَفَاؤُهُ، وَمَا يَصْنَعُ النَّاسُ بَادَرَهُمْ إِلَى الْجِسْرِ فَقَطَعَهُ وَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مُوتُوا عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ أُمَرَاؤُكُمْ أَوْ تَظْفَرُوا! وَحَازَ الْمُشْرِكُونَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْجِسْرِ، فَتَوَاثَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى الْفُرَاتِ فَغَرِقَ مَنْ لَمْ يَصْبِرْ، وَأَسْرَعُوا فِيمَنْ صَبَرَ. وَحَمَى الْمُثَنَّى وَفُرْسَانٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ النَّاسَ وَقَالَ: إِنَّا دُونَكُمْ فَاعْبُرُوا عَلَى هَيْنَتِكُمْ، وَلَا تَدْهَشُوا، وَلَا تُغَرِّقُوا نُفُوسَكُمْ. وَقَاتَلَ عُرْوَةُ بْنُ زَيْدِ الْخَيْلِ قِتَالًا شَدِيدًا وَأَبُو مِحْجَنٍ الثَّقَفِيُّ، وَقَاتَلَ أَبُو زُبَيْدٍ الطَّائِيُّ حَمِيَّةً لِلْعَرَبِيَّةِ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا قَدِمَ الْحِيرَةَ لِبَعْضِ أَمْرِهِ، وَنَادَى الْمُثَنَّى: مَنْ عَبَرَ نَجَا. فَجَاءَ الْعُلُوجُ فَعَقَدُوا الْجِسْرَ وَعَبَرَ النَّاسُ.

وَكَانَ آخِرَ مَنْ قُتِلَ عِنْدَ الْجِسْرِ سَلِيطُ بْنُ قَيْسٍ، وَعَبَرَ الْمُثَنَّى وَحَمَى جَانِبَهُ، فَلَمَّا عَبَرَ ارْفَضَّ عَنْهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَبَقِيَ الْمُثَنَّى فِي قِلَّةٍ، وَكَانَ قَدْ جُرِحَ وَأُثْبِتَ فِيهِ حَلَقٌ مِنْ دِرْعِهِ.

وَأُخْبِرَ عُمَرُ عَمَّنْ سَارَ فِي الْبِلَادِ مِنَ الْهَزِيمَةِ اسْتِحْيَاءً، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ فِي حِلٍّ مِنِّي، أَنَا فِئَةُ كُلِّ مُسْلِمٍ، يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عُبَيْدٍ! لَوْ كَانَ انْحَازَ إِلَيَّ لَكُنْتُ لَهُ فِئَةً.

وَهَلَكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَرْبَعَةُ آلَافٍ بَيْنَ قَتِيلٍ وَغَرِيقٍ، وَهَرَبَ أَلْفَانِ، وَبَقِيَ ثَلَاثَةُ آلَافٍ، وَقُتِلَ مِنَ الْفُرْسِ سِتَّةُ آلَافٍ.

وَأَرَادَ بَهْمَنْ جَاذَوَيْهِ الْعُبُورَ خَلْفَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ بِاخْتِلَافِ الْفُرْسِ، وَأَنَّهُمْ قَدْ ثَارُوا بِرُسْتُمَ، وَنَقَضُوا الَّذِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، وَصَارُوا فَرِيقَيْنِ: الْفَهْلُوجُ عَلَى رُسْتُمَ، وَأَهْلُ فَارِسَ عَلَى الْفَيْرُزَانِ، فَرَجَعَ إِلَى الْمَدَائِنِ.

وَكَانَتْ هَذِهِ الْوَقْعَةُ فِي شَعْبَانَ.

<<  <  ج: ص:  >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير