للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

هناك لمّا جاءت في هذا الموضع زيادة حققت الكلام بالاستعارة، فاحتجنا إلى العبارة عنها أسوة بنظائرها. فنقول: إنّ قوله سبحانه: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى أي لا تحمل حاملة حمل غيرها يوم القيامة. يقال: وزر، يزر وزرا، إذا حمل. والاسم الوزر. ومن ذلك أخذ اسم الوزير، لأنه حامل الثّقل عن الأمير. والمعنى: ولا يحمل مذنب ذنب غيره، ولا يؤخذ بجرمه وجنايته.

والزيادة في هذا الموضوع قوله تعالى: وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى فشبّه تعالى استغاثة المثقّل من الآثام باستغاثته من الإعياء. لأنّ من عادة من تلك حاله أن يطلب من يشاطره الحمل، ويخفّف عنه الثّقل. فأمّا في ذلك اليوم فلا يهمّ كلّ امرئ إلّا نفسه، ولا يعنيه إلّا أمره، ولا يعين أحد أحدا، ولا يخفّف مدعوّ من داع ثقلا، ولو كان أولى الناس بأمره، وأقربهم التياطا به، وانتياطا «١» بنسبه.

وإنّما قال سبحانه: مُثْقَلَةٌ. ولم يقل: «مثقل» . لأنه ردّ ذلك إلى النفس، ولم يردده إلى الشخص.

وقوله سبحانه: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [الآية ٤٣] وهذه استعارة. والمراد أن الله سبحانه يعاقب المشركين على مكرهم بالمؤمنين، فكأنما مكروا بأنفسهم، ووجّهوا الضرر إليهم، لا إلى غيرهم، إذ كان المكر عائدا بالوبال عليهم. ومعنى لا يحيق أي لا يحلّ، ولا ينزل، ولا يحيط إلّا بهم.

وهذه الألفاظ كلها بمعنى واحد.


(١) . انتاط به: أي تعلّق به. ولاحظ هنا الجناس الناقص بين التياط وانتياط وذلك من براعات الشريف الرضي.