للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وأمَّا قولُ المُفَسِّر رَحَمَهُ اللَّهُ: [وَهِيَ أنَّه لَا إلَهَ إِلَّا الله]، فهَذا فرْدٌ مِن أفْرَادِ المَثَل الأعْلَى، وليْسَ هُو المَثل الأَعْلى كُلَّه، فإِنَّ لَا إلَه إلَّا الله تدُلُّ عَلَى تفرُّدِه سُبحانَهُ وَتَعَالى بالأُلوهِيَّةِ، وَهَذا مِن المَثَلِ الأَعْلى، لكِنَّ المَثلَ الأَعْلى أعَمُّ مِن ذَلِك، فلَهُ مثلًا القُدْرَةُ الكامِلَةُ والعِلْم الكامِلُ والحيَاةُ الكاملَةُ والسَّمْعُ الكامِلُ والبَصر الكامِلُ والحكْمَةُ البالِغةُ، وَهكَذا فَهِي أعَمُّ مِن تفرُّدِه بالأُلوهِيَّةِ.

قالَ المُفَسِّر رَحَمَهُ اللَّهُ: [{وَهُوَ الْعَزِيزُ} فِي مُلْكِهِ، {الْحَكِيمُ} فِي خَلْقِه]: تفْسِيرُه هَذَا فِيه قُصورٌ، فـ {الْعَزِيزُ} يعْنِي: ذُو العِزَّة، وَهِي الغَلبَةُ والقَهْر والقَدْرُ، فلَه عزَّةُ القهْرِ والقَدْرِ سُبحَانَهُ وَتَعَالى والامتناعِ، فالعزة إِذَنْ ثلاثَةُ معَانٍ:

المَعْنى الأوَّلُ: عزَّةُ القَهْرِ، بمَعْنى أنَّه القاهِرُ لكُلِّ شيْءٍ، فلَا يغْلِبُه أحَدٌ، قالَ الله تَعالَى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [المنافقون: ٨].

المَعْنى الثَّاني: عِزَّةُ القَدْرِ، ومعْنى عِزَّة القَدْر أنَّ الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى لا نظِير لَه، ولَا شبَه له؛ لكمَال قدْرِه سُبحَانَهُ وَتَعَالى وعظَمَتِه، ومنْهُ قوْلُهم: (هَذا الشّيْءُ عزِيزٌ)، أيْ نادِرُ الوُجودِ لَا نظِيرَ لَهُ.

المَعْنى الثَّالث: عِزَّةُ الامتِناعِ، بمَعْنى أنَّه يمتَنِع علَيْه النّقْص لِكمَالِ قُوَّتِه، ومنْهُ قوْلُهم: هَذِهِ الأرْضَ عزَازٌ (١)، يعْنِى شَديدَةٌ قويَّةٌ لا يُمْكِنُ أنْ ينْفذَ إليها شيْءٌ، والأرْضُ الرَّخوَةُ بالعَكْس، كُلُّ شيْءٍ يؤَثِّرُ فِيها حتَّى الرَّجُل إِذا مشَى علَيْها يُؤثِّرُ، بخلَافِ الأَرْض الصّلْبة التي تُسمَّى العزَاز.

فصارَتِ العزَّةُ الآن عزَّة القدْرِ وعِزَّةَ القهْرِ وعِزَّةَ الامتَناع.


(١) تاج العروس من جواهر القاموس (١٥/ ٢٢٢)، ولسان العرب (٥/ ٣٧٤).

<<  <   >  >>