للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الْخَاصَّةِ فِي تِلْكَ الْأَعْيَانِ، وَمُقْتَضَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَنَّهُ إذَا عَيَّنَ صَاعًا مِنْ صُبْرَةٍ، وَبَاعَهُ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ لِأَنَّ الْأَغْرَاضَ الصَّحِيحَةَ مُسْتَوِيَةٌ فِي أَجْزَاءِ الصُّبْرَةِ غَيْرَ أَنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِعَدَمِ التَّعَيُّنِ.

وَاخْتَلَفُوا فِي الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ إذَا عُيِّنَتْ هَلْ تَتَعَيَّنُ أَمْ لَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: ثَالِثُهَا إنْ عَيَّنَهَا الدَّافِعُ تَعَيَّنَتْ لِأَنَّهُ أَمْلَكُ بِهَا، وَهُوَ مَالِكُهَا، وَإِنْ عَيَّنَهَا الْقَابِضُ لَا تَتَعَيَّنُ إلَّا أَنْ تَخْتَصَّ بِصِفَةِ حُلِيٍّ أَوْ سِكَّةٍ رَائِجَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ تَعَيَّنَتْ اتِّفَاقًا، وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ عِنْدَنَا، وَبِالتَّعْيِينِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَنَا عَدَمُ التَّعْيِينِ فَبِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ مَا لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ مَالِهِ، وَمَا لَا يَأْخُذُهُ مِنْهُ.

(الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُضْمَنُ بِالطَّرْحِ مِنْ السُّفُنِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يُضْمَنُ)

قَالَ مَالِكٌ إذَا طُرِحَ بَعْضُ الْحِمْلِ لِلْهَوْلِ شَارَكَ أَهْلُ الْمَطْرُوحِ مَنْ لَمْ يُطْرَحْ لَهُمْ شَيْءٌ فِي مَتَاعِهِمْ، وَكَانَ مَا طُرِحَ وَسَلِمَ لِجَمِيعِهِمْ فِي نَمَائِهِ وَنَقْصِهِ بِثَمَنِهِ يَوْمَ الشِّرَاءِ إنْ اشْتَرَوْا مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ بِغَيْرِ مُحَابَاةٍ لِأَنَّهُمْ صَانُوا بِالْمَطْرُوحِ مَا لَهُمْ، وَالْعَدْلُ عَدَمُ اخْتِصَاصِ أَحَدِهِمْ بِالْمَطْرُوحِ إذْ لَيْسَ أَحَدُهُمْ بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ، وَهُوَ سَبَبُ سَلَامَةِ جَمِيعِهِمْ فَإِنْ اشْتَرَوْا مِنْ مَوَاضِعَ أَوْ اشْتَرَى بَعْضٌ أَوْ طَالَ زَمَانُ الشِّرَاءِ حَتَّى تَغَيَّرَتْ الْأَسْوَاقُ اشْتَرَكُوا بِالْقِيَمِ يَوْمَ الرُّكُوبِ دُونَ يَوْمِ الشِّرَاءِ لِأَنَّهُ وَقْتُ الِاخْتِلَاطِ.

وَسَوَاءٌ طَرَحَ الرَّجُلُ مَتَاعَهُ أَوْ مَتَاعَ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ أَمْ لَا قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ، وَلَا يُشَارِكُ مَنْ لَمْ يَرْمِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا لِأَنَّهُ لَمْ يَطْرَأْ سَبَبٌ يُوجِبُ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْمَطْرُوحِ لَهُ مَعَ غَيْرِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَلَيْسَ عَلَى صَاحِبِ الْمَرْكَبِ وَلَا النَّوَاتِيَّةِ ضَمَانٌ كَانُوا أَحْرَارًا أَوْ عَبِيدًا إلَّا أَنْ يَكُونُوا لِلتِّجَارَةِ فَتُحْسَبُ قِيمَتُهُمْ، وَلَا عَلَى مَنْ لَا مَتَاعَ لَهُ لِأَنَّ هَذِهِ كُلَّهَا وَسَائِلُ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ رُكُوبِ الْبَحْرِ إنَّمَا هُوَ مَالُ التِّجَارَةِ، وَيُرْجَعُ بِالْمَقَاصِدِ فِي الْمَقَاصِدِ، وَمَنْ مَعَهُ دَنَانِيرُ كَثِيرَةٌ يُرِيدُ بِهَا التِّجَارَةَ فَكَالتِّجَارَةِ بِخِلَافِ النَّفَقَةِ وَمَا يُرَادُ لِلْقِنْيَةِ، وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ لَا يَلْزَمُ فِي الْعَيْنِ شَيْءٌ مِنْ الْمَطْرُوحِ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْغَرَقُ بِسَبَبِهَا لِخِفَّتِهَا، وَقَالَ سَحْنُونٌ يَدْخُلُ الْمَرْكَبُ فِي قِيمَةِ الْمَطْرُوحِ لِأَنَّهُ مِمَّا سَلِمَ بِسَبَبِ الطَّرْحِ.

وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ إنْ خِيفَ عَلَيْهِ بِصَدْمِ قَاعِ الْبَحْرِ فَطُرِحَ لِذَلِكَ دَخَلَ فِي الْقِيمَةِ، وَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ يَدْخُلُ الْمَرْكَبُ، وَمَا فِيهِ لِلْقِنْيَةِ أَوْ التِّجَارَةِ مِنْ عَبِيدٍ، وَغَيْرِهِمْ لِأَنَّ أَثَرَ الْمَطْرُوحِ سَلَامَةُ الْجَمِيعِ

ــ

[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]

قَالَ الشَّبْرَخِيتِيُّ وَمِنْ أَجْلِ مَا فِي الصُّلْحِ مِنْ الصَّدَقَةِ عَلَى الْمُتَخَاصِمَيْنِ لِوِقَايَتِهِمَا مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْخِصَامِ مِنْ قَبِيحِ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ جَازَ الْكَذِبُ فِيهِ مُبَالَغَةً فِي وُقُوعِ الْأُلْفَةِ لِئَلَّا تَدُومَ الْعَدَاوَةُ اهـ.

وَقَالَ الْفَشْنِيُّ وَيَجُوزُ الْكَذِبُ فِي الصُّلْحِ الْجَائِزِ، وَهُوَ مَا لَا يُحِلُّ حَرَامًا، وَلَا يُحَرِّمُ حَلَالًا مُبَالَغَةً فِي وُقُوعِ الْأُلْفَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، قِيلَ تَمَنَّى جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنْ يَكُونَ فِي الْأَرْضِ يَسْقِي الْمَاءَ وَيُصْلِحُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ اهـ كَمَا فِي حَاشِيَةِ كنون عَلَى عبق.

قُلْت فَإِذَا جَازَ الْكَذِبُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ} [النحل: ١٠٥] لِلْمُصْلِحِ مِنْ أَجْلِ مَا فِي الصُّلْحِ مِنْ الصَّدَقَةِ إلَخْ فَكَيْفَ لَا يَجُوزُ فِيهِ دَفْعُ أَحَدِ الْمُتَخَاصِمَيْنِ لِلْآخَرِ الْمَالَ بِغَيْرِ حَقٍّ مَعَ الْجَهْلِ لِدَرْءِ مَفْسَدَةِ الْخُصُومَةِ، وَلَا يَخْفَاك أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ هُنَا فَرْقٌ آخَرُ غَيْرَ مَا مَرَّ بَيْنَ الصُّلْحِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْعُقُودِ، وَهُوَ أَنَّ الصُّلْحَ يَجُوزُ فِيهِ دَفْعُ الْمَالِ بِغَيْرِ حَقٍّ مَعَ الْجَهْلِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْعُقُودِ فَافْهَمْ.

(الْوَجْهُ الثَّانِي) أَنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى بَذْلِ الْمَالِ بِغَيْرِ حَقٍّ فِي فِدَاءِ الْأُسَارَى وَالْمُخَالَعَةِ وَالظَّلَمَةِ وَالْمُحَارَبِينَ وَالشُّعَرَاءِ فَكَذَلِكَ هَا هُنَا لِدَرْءِ الْخُصُومَةِ.

(الْوَجْهُ الثَّالِثُ) أَنَّهُ قَاطِعٌ لِلْمُطَالَبَةِ فَيَكُونُ مَعَ الْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ كَالْإِبْرَاءِ فَكَمَا يُصْبِحُ الْإِبْرَاءُ مَعَ الْإِنْكَارِ كَذَلِكَ يَصِحُّ الصُّلْحُ عَلَيْهِ قِيَاسًا، وَلَا يَرِدُ أَنَّ الْإِبْرَاءَ بِغَيْرِ مَالٍ مِنْ الْجِهَتَيْنِ إذْ الصُّلْحُ أَيْضًا يَجُوزُ مَعَ عَدَمِ الْمَالِ مِنْ الْجِهَتَيْنِ كَالصُّلْحِ عَلَى دَمِ الْعَمْدِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُمْلَكُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ بِالْإِجَارَاتِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يُمْلَكُ مِنْهَا بِالْإِجَارَاتِ]

(الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُمْلَكُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ بِالْإِجَارَاتِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يُمْلَكُ مِنْهَا بِالْإِجَارَاتِ)

وَهُوَ أَنَّ الْمَنْفَعَةَ مَتَى اجْتَمَعَتْ فِيهَا ثَمَانِيَةُ شُرُوطٍ مُلِكَتْ بِالْإِجَارَةِ، وَمَتَى انْخَرَمَ مِنْهَا شَرْطٌ مِنْ الثَّمَانِيَةِ لَا تُمْلَكُ وَالْمَنْفَعَةُ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ مَا لَا تُمْكِنُ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ حِسًّا دُونَ إضَافَةٍ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ غَيْرَ جُزْءٍ مِمَّا أُضِيفَ إلَيْهِ فَتَخْرُجُ الْأَعْيَانُ، وَنَحْوُ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَنِصْفِ الْعَبْدِ وَنِصْفِ الدَّابَّةِ مَشَاعًا، وَهِيَ رُكْنٌ لِأَنَّهَا الْمُشْتَرَاةُ اهـ.

وَبَاقِي أَرْكَانِهَا أَرْبَعَةٌ كَمَا فِي شُرَّاحِ خَلِيلٍ الْمُؤَجِّرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ وَالْعِوَضُ وَالصِّيغَةُ.

٢ -

(الشَّرْطُ الْأَوَّلُ) إبَاحَةُ الْمَنْفَعَةِ، وَذِكْرُ الْمَنْفَعَةِ احْتِرَازٌ مِنْ الْغِنَاءِ وَآلَاتِ الطَّرَبِ وَنَحْوِهِمَا أَيْ كَالْإِجَارَةِ عَلَى إخْرَاجِ الْجَانِّ وَالدُّعَاءِ وَحَلِّ الْمَرْبُوطِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ لِعَدَمِ تَحْقِيقِ الْمَنْفَعَةِ كَمَا فِي الْخَرَشِيِّ قَالَ الْعَدَوِيُّ يُفِيدُ أَنَّهُ لَوْ تَحَقَّقَ الْمَنْفَعَةَ جَازَ فَقَدْ قَالَ الْأَبِيُّ وَأَمَّا مَا يُؤْخَذُ عَلَى حَلِّ الْمَعْقُودِ فَإِنْ كَانَ يَرْقِيهِ بِالرُّقْيَةِ الْعَرَبِيَّةِ جَازَ، وَإِنْ كَانَ بِالرُّقَى الْعَجَمِيَّةِ لَمْ يَجُزْ، وَفِيهِ خِلَافٌ، وَكَانَ الشَّيْخُ

<<  <  ج: ص:  >  >>