<<  <  ج: ص:  >  >>

مصلحَةِ المُكلَّفِ ورفعِ الحرجِ عنهُ.

وهذا بخلافِ البِدعةِ، فإنَّها: إحداثُ اعتقادٍ أو حكمٍ ليسَ لهُ مثالٌ سابقٌ.

وإن قارنتَ هذا بأدلَّةِ الأحكامِ الاجتهاديَّة، وجدْتهَا تُفارقُه:

فالقياسُ: إنَّما هو قياسٌ على النَّصِّ، فهوَ على مثالٍ سابقٍ، ثمَّ إنَّه يمتنعُ تصوُّرهُ في العقائدِ والعبادَاتِ المحضَة، لعدَمِ إدراكِ عللهَا، وعُمدَةُ القياسِ على عللِ الأحكامِ.

والمصلحةُ المُرسلةُ: إنَّما هي اعتبارٌ لمقاصدِ الشَّرعِ في حفظِ الضَّروراتِ ورفعِ الحرجِ، فهي صورةٌ من القياسِ على مثالٍ سابقٍ، وهي غيرُ واردةٍ إلاَّ في أمرٍ فيه مجالٌ للنَّظرِ، ولايُمكنُ ذلكَ إلاَّ بإدراكِ المعاني والعِللِ والمُناسباتِ، وهذا ممتنعٌ في عقيدةٍ أو عبادَةٍ محضةٍ، فالعقيدَةُ خبرٌ الله تعالى أو رسولهِ - صلى الله عليه وسلم - عنهُ فيما لا يحيطُ به العبادُ علمًا إلاَّ عن طريقِ الخبرِ، وأمَّا العبادَاتُ المحضةُ فشيءٌ قُصدَ به الابتلاءُ، والله عزَّوجلَّ راعى برحمتِه قُدُراتِ المُكلَّفينَ، وما جعلَ الصَّلاةَ من خمسينَ في العدَدِ في اليومِ واللَّيلَة إلى خمسٍ إلاَّ تيسيرًا على العبادِ وتخفيفًا لذلكَ الابتِلاءِ، وما جاءتْ الرُّخصُ في العبادَاتِ إلاَّ لهذا المعنى، والمصالحُ يقصدُ بها نفعُ المكلّفينَ بالتَّخفيفِ والتَّيسير ورفعِ الحرجِ، فكيفَ يصحُّ تصوُّرُ إثباتِ عبادَةٍ زائدَةٍ لم يأتِ بها التَّشريعُ أنَّها

<<  <  ج: ص:  >  >>