للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والمرضى يتبعدون عن مؤاكلة الأصحاء، لأن الناس يستقذرون منهم ويكرهون مؤاكلتهم. وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أي ليس عليكم مأثم في أن تأكلوا من بيوت أولادكم بغير إذن بالعدل

لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «أنت ومالك لأبيك»

«١»

وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «إن أطيب ما يأكل المرء من كسبه وإن ولده من كسبه»

«٢» . أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ من الأب أو الأم، أو منهما بالنسب أو الرضاع أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ.

قال السدي كان الرجل يدخل بيت أبيه أو بيت أخيه أو أخته فتتحفه المرأة بشيء من الطعام، فيتحرج لأنه ليس ثمّ رب البيت. فأنزل الله تعالى هذه الرخصة: أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ.

روى الزهري عن سعيد بن المسيب وعبيد الله بن عبد الله في هذه الآية: أن المسلمين كانوا إذا غزوا خلفوا زمناهم، وكانوا يسلمون إليهم مفاتيح أبوابهم ويقولون لهم: قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا، فكانوا يتحرجون من ذلك وقالوا: لا ندخلها وهم غائبون، فنزلت هذه الآية رخصة لهم، وهذا قول عائشة رضي الله عنها أَوْ صَدِيقِكُمْ أي بيت صديقكم وإن لم يكن بينكم وبينهم قرابة نسبية، ونزل هذا في حق مالك بن زيد، والحرث بن عمار، وكانا صديقين.

ونقل عن ابن عباس ومقاتل بن حبان: نزلت هذه الآية في الحرث بن عمرو وذلك أنه خرج مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: وخلف مالك بن زيد على أهله، فلما رجع وجده مجهودا فسأله عن حاله فقال:

تحرجت أن آكل من طعامك بغير إذنك، فأنزل الله هذه الآية. والمعنى: يجوز الأكل من بيوت من ذكر إذا علم رضاه بصريح الإذن أو بقرينة دالة عليه وإن كانت ضعيفة، كما علم بالعادة في طيب أنفسهم فإن العادة كالإذن في ذلك، والمقصود من هذه الآية إثبات الإباحة في الجملة، لا إثبات الإباحة في جميع الأوقات. لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أي مأثم في أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً. قيل: نزلت هذه الآية في قوم تحرجوا عن الاجتماع على الطعام لاختلاف الآكلين في كثرة الأكل وقلته. وقال أكثر المفسرين: نزلت في بني ليث بن عمرو وهم حي من كنانة حيث كانوا يتحرجون أن يأكلوا طعامهم منفردين، وكان الرجل منهم لا يأكل وحده يمكث يومه حتى يجد ضيفا يأكل معه، فإن لم يجد من يواكله لم يأكل شيئا، وربما قعد الرجل والطعام بين يديه لا يتناوله من الصباح إلى الرواح، وربما كانت معه الإبل الحافلات، فلا يشرب من ألبانها حتى يجد


(١) رواه النسائي في كتاب البيوع، باب: الحث على الكسب، وابن ماجة في كتاب التجارات، باب: الحث على المكاسب، والدارمي في كتاب البيوع، باب: في الكسب وعمل الرجل بيده، وأحمد في (م ٦/ ص ٣١) . [.....]
(٢) رواه السهمي في تاريخ جرجان (٤٥٣) .

<<  <  ج: ص:  >  >>