للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

والدليل على فساد هذا القول:

أن كتمان ما يحتاج إلى نقله يجري في القبح مجرى الإخبار عنه بخلاف ما هو به، فلما لم يجز على الجماعة التي يصح بهم التواتر أن يخبروا عن (١) الشيء بخلاف ما هو مع علمهم بحاله، كذلك لايجوز أن يجتمعوا على كتمان ما يحتاج إلى معرفته.

يبين صحة هذا أن رجلاً لو دخل بغداد يسأل كل من يلقاه عن جامع المنصور، لم يجز أن يكتموه كلهم ذلك، كما لا يجوز أن يخبروا عنه بالكذب، وكذلك لو حدث في الجامع يوم الجمعة وقت الخطبة حادثة عظيمة هائلة، لم يجز أن يترك جميع من حضرها نقلها، كما لا يجوز أن يخبر جميعهم عنها بالكذب مع علمهم بأنه كذب.

فإن قيل: أليس قد تركت الصحابة نقل شرائع الأنبياء المتقدمين، وإن لم يجز أن يتواطؤوا (٢) على الكذب، فما أنكرتم مثله ها هنا.

قيل: إنما تركت نقل ما ذكرت لبعد عهده، ولفقد ما يدعو الى نقله، فأما ما قرب عهده، ووجد الداعي الى نقله، فغير جائز أن يجتمعوا على ترك نقله.

يبين صحة هذا: أن شريعة موسى عليه السلام لما لم تكن متباعدة العهد، وكان هناك ما يدعو إلى نقلها -وهو بقاء تمسك قوم بها- نقلت. وكذلك شريعة عيسى عليه السلام، ولم تنقل شريعة غيرهما من الأنبياء مثل هود ويونس وأمثالم عليهم السلام؛ لما لم يبقَ من يتدين بها، وكانت منسوخة.

فإن قيل: النصارى لم ينقلوا كلام المسيح في المهد، ونقلوا إحياءه


(١) في الأصل: (على) .
(٢) في الأصل: (يواطوا) .

<<  <  ج: ص:  >  >>