للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

والشر، والغي والرشاد، فإن ذلك من أعظم أمراض قلبه «١» . ويتضح من هذه الموازنة الدقيقة أن أساس مرض القلب هو الجهل وأساس صحته هو العلم، ويكون مرض القلب أيضا بالحب والبغض الخارجين عن الاعتدال، وتلك هي الأهواء التي قال الله فيها: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ «٢» ، وقال سبحانه: بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ «٣» .

وما يصيب المؤمن في الدنيا من المصائب (والابتلاءات) هي بمنزلة ما يصيب الجسم من الآلام التي يصح بها وتزول أخلاطه الفاسدة «٤» ، فكذلك الابتلاءات يصح بها القلب وتزول عنه شوائبه. يقول الله تعالى موضحا أثر الابتلاء الذي أصاب المسلمين يوم أحد: وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ «٥» .

وسنعرض فيما يلي للأحوال القلبية التي تقوى بالابتلاء، وتلك الشوائب أو الأمراض التي يتمحص القلب بزوالها كلية أو إضعافها إلى حد كبير. ثم نشير- بإيجاز- إلى تزكية القلوب.

[الأحوال القلبية التي تقوى بالابتلاء:]

أ- الخشية:

والمراد بها خوف الله عز وجل خوفا يشوبه تعظيم ويقترن به إجلال «٦» . وقد وعد الله الذين يخشونه بالفوز والأجر الكبير، فقال: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ «٧» . وقال جل من قائل: إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ «٨» ، وقد كشف القرآن الكريم عن أثر هذه الخشية وثمرتها فقال تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ «٩» .

وقد بشر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من يتصف بالخشية، وقرن بينه وبين المجاهد فقال: «عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله» «١٠» .

ب- الخوف من الله تعالى:

أما الخوف فيعني: اضطراب القلب وحركته من تذكر المخوف «١١» ، يقول ابن رجب: القدر الواجب من الخوف ما حمل على أداء الفرائض واجتناب المحارم، فإن زاد على ذلك بحيث صار باعثا للنفوس على التشمير في نوافل الطاعات، والانكفاف عن دقائق المكروهات كان ذلك فضلا محمودا «١٢» ، ويقول الحافظ ابن حجر: الخوف من المقامات العلية، هو من لوازم الإيمان، قال تعالى: وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ «١٣» .


(١) الفتاوى ١٠/ ١٤١.
(٢) القصص/ ٥٠.
(٣) الروم/ ٢٩.
(٤) الفتاوى ١٠/ ١٤٧.
(٥) آل عمران/ ١٥٤.
(٦) انظر صفة الخشية.
(٧) النور/ ٥٢.
(٨) الملك/ ١٢.
(٩) الزمر/ ٢٣.
(١٠) سنن الترمذي (١٦٣٩) وقال: حديث حسن، وانظر أيضا الحديث رقم (١١) في صفة الخشية.
(١١) انظر صفة الخوف، وقد ذكرنا هناك تعريفات أخرى.
(١٢) التخويف من النار لابن رجب ص ٢١.
(١٣) آل عمران/ ١٧٥.