للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الصّرف من نفي الوجود، فكان إجراء الكلام على ظاهره والإعراض عن هذا الإضمار أولى. وقد أجاب أبو عبد الله المرسيّ في «ريّ الظّمان» فقال: هذا كلام من لا يعرف لسان العرب، فإنّ (إله) في موضع المبتدأ على قول سيبويه، وعند غيره اسم (لا) ، وعلى التّقديرين فلابدّ من خبر المبتدأ، وإلّا فما قاله من الاستغناء عن الإضمار فاسد» «١» .

وقد علّق سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز على ذلك فقال: ما قاله صاحب المنتخب ليس بجيّد، وهكذا ما قاله النّحاة وأيّده الشّيخ أبو عبد الله المرسيّ من تقدير الخبر بكلمة (في الوجود) ليس بصحيح؛ لأنّ الآلهة المعبودة من دون الله كثيرة وموجودة، وتقدير الخبر بلفظ «في الوجود لا يحصل به المقصود من بيان أحقّيّة الوهيّة الله سبحانه، وبطلان ما سواها» ؛ لأنّ لقائل أن يقول: كيف تقولون: «لا إله في الوجود إلّا الله» ؟ وقد أخبر الله سبحانه عن وجود آلهة كثيرة للمشركين، كما في قوله سبحانه: وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ، وقوله سبحانه فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْباناً آلِهَةً الآية.

فلا سبيل إلى التّخلّص من هذا الاعتراض وبيان عظمة هذه الكلمة وأنّها كلمة التّوحيد المبطلة لآلهة المشركين وعبادتهم من دون الله، إلّا بتقدير الخبر بغير ما ذكره النّحاة، وهو كلمة «حقّ» ؛ لأنّها هي الّتي توضّح بطلان جميع الآلهة وتبيّن أنّ الإله الحقّ والمعبود بالحقّ هو الله وحده، كما نبّه على ذلك جمع من أهل العلم منهم أبو العبّاس ابن تيميّة وتلميذه العلّامة ابن القيّم وآخرون- رحمهم الله-.

ومن أدلّة ذلك قوله سبحانه: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ فأوضح سبحانه في هذه الآية أنّه هو الحقّ، وأنّ ما دعاه النّاس من دونه هو الباطل، فشمل ذلك جميع الآلهة المعبودة من دون الله من البشر والملائكة والجنّ وسائر المخلوقات، واتّضح بذلك أنّه المعبود بالحقّ وحده، ولهذا أنكر المشركون هذه الكلمة وامتنعوا من الإقرار بها لعلمهم بأنّها تبطل آلهتهم؛ لأنّهم فهموا أنّ المراد بها نفي الألوهيّة بحقّ عن غير الله- سبحانه-، ولهذا قالوا جوابا لنبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم لمّا قال لهم: «قولوا لا إله إلّا الله» أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ، وقالوا أيضا:

أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ وما في معنى ذلك من الآيات. وبهذا التّقدير يزول جميع الإشكال ويتّضح الحقّ المطلوب» «٢» .

وقال الشّيخ عبد الله بن جبرين: معنى لا إله إلّا الله، هو عبادة الله وترك عبادة ما سواه، وهو الكفر


(١) شرح العقيدة الطحاوية (١٠٩- ١١١) .
(٢) تعليق الشيخ عبدة العزيز بن باز في هامش (ص ١٠٩- ١١٠) شرح العقيدة الطحاوية.