للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

والتّوجّه إلى الحقّ (ما ليس لغيره) «١» .

[الترهيب:]

أمّا التّرهيب فهو مصدر قولهم: رهّبه من الشّيء بمعنى أخافه منه خوفا شديدا ترتعد له فرائصه، ويتحقّق بذلك رهبة منه تخالج شعوره وتدفع صاحبها إلى البعد عنه وعمّا يؤدّي إليه من أعمال في هذه الحياة الدّنيا.

[لماذا الترهيب من عذاب الآخرة؟]

إنّ الجزاء العاجل الّذي يلقاه الطّائعون والعصاة في هذه الحياة الدّنيا لا يردع العصاة، ولا يكافيء الطّائعين على النّحو الّذي يستحقّه كلّ منهم للأسباب الآتية:

أولا: لأنّ كلّ هذه الجزاءات الدّنيويّة مقدّ مات للعدالة الإلهيّة الشّاملة الكاملة، مصداقا لقوله تعالى: وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ (آل عمران/ ١٨٥) .

ثانيا: لأنّ ضروب السّعادة والتّعاسة في الدّنيا مختلطة بعضها ببعض، فالصّالحون يدفعون في الواقع ثمن أخطائهم، حتّى ما كان منها لمما «٢» ، من آلامهم، وما يلقون من عقبات في هذه الدّنيا، قال تعالى في حقّ المؤمنين: فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ (آل عمران/ ١٥٣) ، ثمّ إنّ أحلك القلوب ظلمة لا تعدم أن تفعل بعض الخير، وتنال عنها مكافأة مضمونة من طيّبات هذه الحياة الدّنيا، بحيث تبقى جرائمهم دون مقاصّة تنتظر الفصل في يوم الدّين.

ثالثا: لأنّ ما يحدث لنا من خير وشرّ في هذه الدّنيا لا بدّ وأن ينظر إليه على أنّه ابتلاء.

وانطلاقا من هذه الأمور الثّلاثة تنبع ضرورة الجزاء الأخرويّ «٣» ، وقد تحدّثنا في صفة الرّغبة عن هذا الجزاء الّذي أعدّه الله للطّائعين، وسنحاول هنا أن نذكر من آيات الذّكر الحكيم والأحاديث الشّريفة ما يجعل العصاة يقفون على ما أعدّه الله لهم حتّى تتحقّق رهبتهم منه، ويعلموا سلفا عاقبة عصيانهم ومخالفة أمر ربّهم وما سوف يسامون من عذاب.

[للاستزادة: انظر صفات: الخوف- الخشوع الخشية- الإخبات- الإنابة- الطاعة- الدعاء- القنوت.

وفي ضد ذلك: انظر صفات: الأمن من المكر العصيان- الغفلة- الفجور- السخط- الكبر والعجب] .


(١) التعريفات للجرجاني (١١٤) ، وما بين الأقواس زيادة اقتضاها السياق.
(٢) اللمم: صغائر الذنوب.
(٣) بتلخيص وتصرف عن دستور الأخلاق في القرآن للشيخ دراز (٢٦١- ٢٦٢) . وقد صنّف الشيخ دراز هذه العقوبات الأخروية إلى: أ- الجانب الحرماني مثل حبوط الأعمال وخيبة الأمل واليأس من الرحمة. ب- الجانب الإيماني المتمثل في تنكيس الرؤوس وسواد الوجوه. ج- عقوبات بدنية تتمثل فيما يلقونه في جهنم وساءت مصيرا، انظر دستور الأخلاق في القرآن (٣٨٧- ٤٠٠) .