للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

قلت هذا العود» «١» واستقر رأي النجاشي على منح المسلمين الأمان، «فأقاموا في خير دار مع خير جار» «٢» .

أما القسيسون والرهبان الذين سمعوا قول جعفر واستمعوا إليه وهو يرتل القرآن، فقد ذرفوا الدموع مما عرفوا من الحق فأنزل الله تعالى قوله الكريم: وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ* وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ «٣» .

وعلى الرغم من فشل مبادرة قريش في محاولتها استعادة المهاجرين المسلمين، فإن هذه المحاولة تدل على إدراكها لخطورة الموقف الناجم عن حصول المسلمين على ملجأ يأوون إليه آمنين، وخاصة أن الحبشة تدين بالنصرانية، وقد شاع عن ملكها العدل والإنصاف، كما أنها قريبة من مكة مما كان يشكل خطرا متوقعا على قريش ومصالحها في المستقبل.

مكث المسلمون في الحبشة ما شاء الله لهم، ولقد توفي عبيد الله بن جحش زوج أم حبيبة بنت أبي سفيان فخطبها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وتزوجها وهي بالحبشة، زوجه إيّاها النجاشي ومهرها أربعة الاف، ثم جهزها من عنده ولم يرسل إليها النبي صلّى الله عليه وسلّم بشيء، وقد بعثها النجاشي مع شرحبيل بن حسنة «٤» .

انضم إلى مهاجرة الحبشة أبو موسى الأشعري مع جمع من قومه بلغوا ثلاثة وخمسين رجلا وكانوا قد ركبوا سفينة يريدون الهجرة إلى المدينة حين بلغهم استقرار الوضع فيها لصالح المسلمين فألقتهم الرياح إلى الحبشة فالتحقوا بالمسلمين ومكثوا معهم إلى أن عادوا جميعا إلى المدينة حين افتتح المسلمون خيبر «٥» . فعاد بعضهم إلى المدينة بعد هجرة المسلمين إليها وقبل وقعة بدر الكبرى، وكانت عدتهم ثلاثة وثلاثين رجلا وثماني نسوة، وعاد الباقون وعلى رأسهم جعفر بن أبي طالب في العام السابع من الهجرة في أعقاب فتح خيبر «٦» . ولم تخل هجرتهم هذه من الصعوبات، ويستفاد من نقاش جرى بين أسماء بنت عميس- إحدى المهاجرات إلى الحبشة- وعمر بن الخطاب أن المهاجرين المسلمين إلى الحبشة رغم ما تحقق لهم من الاستقرار والتخلص من أذى قريش وعذابها فإنهم لاقوا العنت، وتحملوا الغربة والمشاق، وأنهم كانوا يتعرضون أحيانا للخوف والإرهاب. وقد أنصفهم الرسول صلّى الله عليه وسلّم حين قال لهم: «ليس بأحق بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان» «٧» . وذلك


(١) ابن هشام- السيرة ١/ ٤١٣- ٤١٨.
(٢) المرجع السابق ١/ ٢٨٩- ٢٩٣.
(٣) القرآن الكريم- سورة المائدة، الآيات/ ٨٢- ٨٣، وانظر تفسير الطبري ٧/ ٣.
(٤) أحمد- المسند ٦/ ٤٢٧، أبو داود- السنن ٢/ ٥٣٨، ٥٦٩ بإسناد صحيح، النسائي- السنن ٦/ ١١٩، الحاكم- المستدرك ٢/ ١٨١.
(٥) البخاري- الصحيح (فتح الباري ٦/ ٢٣٧، ٧/ ١٨٨، ٤٨٤، ٤٨٥، ٤٨٧) ، صحيح مسلم (بشرح النووي) ١٦/ ٦٤.
(٦) البخاري- الصحيح (فتح الباري ١٥/ ٣٦ (ح ٣٨٧٦) ، ابن سعد- الطبقات ١/ ٢٠٧.
(٧) البخاري- الصحيح (فتح الباري ٦/ ٢٣٧، ٧/ ١٨، ٤٨٤، ٤٨٧) ، مسلم- الصحيح (بشرح النووي ١٦/ ٦٤- ٦٦) .