للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وخبراتهم القتالية «١» .

وعلى الجانب الإسلامي، عبأ النبي صلّى الله عليه وسلّم جيشه بالسّحر وعقد الألوية والرايات ورتب الجند على هيئة صفوف منتظمة، واستقبل بجيشه وادي حنين «٢» ، وانحدروا مع بزوغ الفجر تتقدمهم على المجنبات الخيالة بقيادة خالد بن الوليد «٣» ، وكان المقاتلة من بني سليم في طليعة القوات الإسلامية منذ خروجها من مكة «٤» .

اندفع المسلمون نحو جموع هوازن، فانكشفوا، فانكب المسلمون على ما تركوه من الغنائم، وبينما هم منشغلون بذلك، نفذت هوازن الخطوة الثانية من خطتها إذ سرعان ما عادت قواتها لتستقبل المسلمين، في الوقت الذي ظهرت قواتها الكامنة فأمطرتهم بوابل عنيف من السهام من الجانبين «ما يكاد يسقط لهم سهم، فرشقوهم رشقا ما كانوا يخطئون» «٥» ، وفوجيء المسلمون وتساقط شهداؤهم «٦» وضاقت عليهم الأرض بما رحبت فولوا مدبرين لا يلوون على شيء، حيث انكشفت خيالة المسلمين في البداية ثم اتبعهم المشاة، ثم بقية الجيش، واستمر القتال في هذه الجولة من الفجر إلى الليل ثم استمرت طوال ذلك الليل، وتقدم المصادر الموثقة معلومات مفصلة عن الصعوبات التي واجهها المسلمون من الحر الشديد، والأرض الرملية، وارتفاع الغبار في وجوههم مما حد من قدرتهم على الرؤية «٧» .

وكان ذلك درسا قاسيا عاقب الله تعالى به أولئك الذين أصابهم العجب والزهو ووصفهم القرآن الكريم بقوله تعالى: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ «٨» .

أما النبي صلّى الله عليه وسلّم فقد ثبت وصمدت معه فئة قليلة من الصحابة، وكان يركب بغلته «٩» ، وينظر إلى إدبار المسلمين ويدعوهم إلى الثبات، وهو يدفع بغلته نحو العدو وهو يردد: «أنا النّبيّ لا كذب، أنا ابن عبد المطّلب» ، ومعه العباس بن عبد المطلب، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يمسكان بعنان بغلته لئلا تسرع به بين جموع العدو، وقد تراجع قليل من المسلمين يسيرا في الوقت الذي ابتعد معظمهم مدبرين ولم يصمد معه سوى عشرة أو اثني عشر من الصحابة فيهم العباس وأبو سفيان بن الحارث وأبو بكر الصديق وعمر بن

الخطاب وعلي بن أبي


(١) ابن كثير- البداية والنهاية ٤/ ٣٣٠، الواقدي- المغازي ٣/ ٨٩٣، وانظر ابن هشام السيرة- ٢/ ٤٤٢، أحمد- المسند ٣/ ٣٧٦.
(٢) الواقدي- المغازي ٣/ ٨٩٥- ٧.
(٣) البخاري- الصحيح ٥/ ١٣٠- ١٣١، مسلم- الصحيح ٢/ ٧٣٥.
(٤) الواقدي- المغازي ٣/ ٨٩٦- ٨٩٧.
(٥) البخاري- الصحيح ٤/ ٣٥ (حديث ٤٣١٧) ، مسلم- الصحيح ٣/ ١٤٠٠- ١٤٠١ (حديث ١٧٧٦) .
(٦) البخاري- الصحيح (الفتح حديث ٤٣١٥) ، مسلم- الصحيح ٣/ ١٣٩٨ (حديث ١٧٧٥) .
(٧) أحمد- المسند ٥/ ٢٨٦، الهيثمي- مجمع الزوائد ٦/ ١٨٢.
(٨) القرآن الكريم- سورة التوبة، الآية/ ٢٥.
(٩) مسلم- الصحيح ٣/ ١٣٩٨- ١٤٠٠، القسطلاني- المواهب اللدنية ١/ ١٦٣، الواقدي- المغازي ٣/ ٨٩٥- ٦.