للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذرّيّتك، فرأى رجلا منهم وأعجبه وبيص ما بين عينيه، فقال: أي ربّ من هذا؟

فقال: هذا رجل من آخر الأمم من ذرّيّتك يقال له داود. فقال: ربّ كم جعلت عمره؟ قال: ستّين سنة.

قال: أي ربّ زده من عمري أربعين سنة، فلما قضي عمر آدم جاءه ملك الموت فقال: أو لم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال: أو لم تعطها ابنك داود؟ قال:

فجحد «١» آدم فجحدت ذرّيّته، ونسّي آدم فنسّيت ذرّيّته، وخطيء آدم فخطئت ذرّيّته» ) * «٢» .

٦-* ( ... فقال كعب بن مالك- رضي الله عنه- فلمّا بلغني أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد توجّه قافلا من تبوك حضرني بثّي «٣» ، فطفقت أتذكّر الكذب وأقول:

بم أخرج من سخطه غدا؟ وأستعين على ذلك كلّ ذي رأي من أهلي، فلمّا قيل لي: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد أظلّ قادما «٤» زاح عنّى الباطل، حتّى عرفت أنّي لن أنجو منه بشيء أبدا، فأجمعت صدقه «٥» ، وصبّح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قادما وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثمّ جلس للنّاس فلمّا فعل ذلك جاءه المخلّفون، فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا. فقبل منهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله ... الحديث) * «٦» .

٧-* (عن عبد الله بن عامر قال: حدّثني من سمع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه أمر برجم رجل بين مكّة والمدينة، فلمّا وجد مسّ الحجارة خرج فهرب، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم:

«فهلّا تركتموه؟» ) * «٧» .

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (التّنصّل والتّهرّب من المسئولية)

١-* (قال ابن عبّاس- رضي الله عنهما- في تفسير قوله تعالى كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (الحشر/ ١٦) ضرب الله هذا مثلا للمنافقين مع اليهود. وذلك أنّ الله أمر نبيّه عليه السّلام أن يجلي بني النّضير من المدينة فدسّ إليهم المنافقون ألّا تخرجوا من دياركم فإن قاتلوكم كنّا معكم، وإن أخرجوكم كنّا معكم، فحاربوا النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فخذلهم المنافقون وتبرّؤوا منهم كما تبرّأ الشّيطان من برصيص العابد» ) * «٨» .

٢-* (عن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- في قوله تعالى ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ قال: هي مدينة


(١) جحد: أنكر.
(٢) سنن الترمذي ٥ (٣٠٧٨) ، وقال: حسن صحيح، والحاكم في المستدرك ٢/ ٣٢٢، وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
(٣) بثّي: البث هو أشد الحزن.
(٤) أظل قادما: أي أقبل ودنا قدومه كأنه ألقى عليّ ظله.
(٥) فأجمعت صدقه: عزمت عليه.
(٦) هذا الحديث جزء من حديث كعب بن مالك في غزوة تبوك، مسلم ٤ (٢٧٦٩) .
(٧) المسند ٤/ ٦٦ برقم (١٦٦٢٧) ، والهيثمي في مجمع الزوائد ٦/ ٢٦٧، وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات.
(٨) تفسير القرطبي (١٨/ ٢٨) .