للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

إلى ما نحن فيه؟ فأنطلق، فآتي تحت العرش فأقع ساجدا لربّي عزّ وجلّ، ثمّ يفتح الله عليّ من محامده وحسن الثّناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي. ثمّ يقال: يا محمّد، ارفع رأسك سل تعطه، واشفع تشفّع. فأرفع رأسي فأقول:

أمّتي «١» يا ربّ، أمّتي يا ربّ، فيقال: يا محمّد، أدخل من أمّتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنّة، وهم شركاء النّاس فيما سوى ذلك من الأبواب. ثمّ قال: والّذي نفسي بيده إنّ ما بين المصراعين من مصاريع الجنّة كما بين مكّة وحمير، أو كما بين مكّة وبصرى «٢» .

- عن أنس- رضي الله عنه-؛ أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قال: يحبس المؤمنون يوم القيامة حتّى يهمّوا»

بذلك فيقولون لو استشفعنا إلى ربّنا فيريحنا من مكاننا، فيأتون آدم فيقولون أنت آدم أبو النّاس، خلقك الله بيده وأسكنك جنّته، وأسجد لك ملائكته، وعلّمك أسماء كلّ شيء، لتشفع لنا عند ربّك حتّى يريحنا من مكاننا هذا، قال: فيقول لست هناكم، قال: ويذكر خطيئته الّتي أصاب أكله من الشّجرة وقد نهي عنها، ولكن ائتوا نوحا أوّل نبيّ بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض، فيأتون نوحا، فيقول لست هناكم، ويذكر خطيئته الّتي أصاب وسؤاله ربّه بغير علم، ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرّحمن. قال: فيأتون إبراهيم، فيقول: إنّي لست هناكم، ويذكر ثلاث كذبات كذبهنّ ولكن ائتوا موسى عبدا آتاه الله التّوراة وكلّمه وقرّبه نجيّا، قال فيأتون موسى فيقول إنّي لست هناكم، ويذكر خطيئته الّتي أصاب قتله النّفس، ولكن ائتوا عيسى عبد الله ورسوله وروح الله وكلمته، قال: فيأتون عيسى فيقول: لست هناكم، ولكن ائتوا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبدا غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر.

فيأتوني فأستأذن على ربّي في داره، فيؤذن لي عليه، فإذا رأيته وقعت ساجدا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، فيقول ارفع محمّد وقل يسمع واشفع تشفّع، وسل تعط، قال: فأرفع رأسي فأثني على ربّي بثناء وتحميد يعلّمنيه، فيحدّ لي حدّا فأخرج فأدخلهم الجنّة. قال قتادة: وسمعته أيضا يقول: فأخرج فأخرجهم من النّار، وأدخلهم الجنّة، ثمّ أعود فأستأذن على ربّي في داره فيؤذن لي عليه، فإذا رأيته وقعت ساجدا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثمّ يقول: ارفع يا محمّد وقل يسمع واشفع تشفّع وسل تعطه، قال: فأرفع رأسي، فأثني على ربّي بثناء وتحميد يعلّمنيه. قال: ثمّ أشفع فيحدّ لي حدّا فأخرج فأدخلهم الجنّة. ثمّ أعود الثّالثة فأستأذن على ربّي في داره فيؤذن لي


(١) الشفاعة في أمته وغيرها من الشفاعات تأتي بعد الشفاعة العظمى الأولى وهي إراحة الخلائق من هول الموقف والفصل بين العباد وبعد وضع الصراط والمرور عليه وحساب الناس، فيشفع في تعجيل من لا حساب عليه من أمته إلى الجنة، ثم يشفع فيمن وجب عليه العذاب ودخل منهم النار، ثم فيمن قال لا إله إلا الله- انظر الشفا (١/ ٤٣١) ، وشرح النووي على صحيح مسلم (٣/ ٥٧، ٥٨) ، والفتح (١١/
٤٤٦) .
(٢) رواه البخاري- الفتح ٨ (٤٧١٢) ، ومسلم برقم (١٩٤) .
(٣) يهموا: هذا لفظ البخاري- ولفظ مسلم (فيهتمون) وفي رواية (فيلهمون) . قال النووي رحمه الله: معنى اللفظتين متقارب فمعنى الأولى أنهم يعتنون بسؤال الشفاعة وزوال الكرب الذي هم فيه، ومعني الثانية أن الله تعالى يلهمهم سؤال ذلك. والإلهام أن يلقي الله تعالى في النفس أمرا يحمل على فعل الشيء أو تركه- انظر شرح النووي على صحيح مسلم (٣/ ٥٣) .