للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أو على الإيمان بالقرآن قبل النزول وبعده أو على أذى من هاجرهم وعاداهم من أهل دينهم ومن المشركين وَيَدْرَؤُنَ أي يدفعون بِالْحَسَنَةِ أي بالطاعة السَّيِّئَةَ أي المعصية فإن الحسنة تمحو السيئة

قال صلّى الله تعالى عليه وسلّم لمعاذ: اتبع السيئة الحسنة تمحها

، وقيل: أي يدفعون بالحلم الأذى وقال ابن جبير: بالمعروف المنكر وقال ابن زيد: بالخير الشر وقال ابن سلام: بالعلم الجهل وبالكظم الغيظ وقال ابن مسعود: بشهادة أن لا إله إلا الله الشرك وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ أي في سبيل الخير كما يقتضيه مقام المدح وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ سقط القول وقال مجاهد: الأذى والسب وقال الضحاك: الشرك وقال ابن زيد: ما غيرته اليهود من وصف الرسول صلّى الله عليه وسلّم أَعْرَضُوا عَنْهُ أي عن اللغو تكرما كقوله تعالى: وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً [الفرقان: ٧٢] وَقالُوا لهم (١) أي للاغين المفهوم من ذكر اللغو لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ متاركة لهم كقوله تعالى: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون:

٦] سَلامٌ عَلَيْكُمْ قالوه توديعا لهم لا تحية أو هو للمتاركة أيضا كما في قوله تعالى: وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً [الفرقان: ٦٣] وأيا ما كان فلا دليل في الآية على جواز ابتداء الكافر بالسلام كما زعم الجصاص إذ ليس الغرض من ذلك إلا المتاركة أو التوديع.

وروي عن النبي صلّى الله تعالى عليه وسلّم في الكفار «لا تبدءوهم بالسلام وإذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم»

. نعم روي عن ابن عباس جواز أن يقال للكافر ابتداء السلام عليك على معنى الله تعالى عليك فيكون دعاء عليه وهو ضعيف، وقوله تعالى: لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ بيان للداعي للمتاركة والتوديع أي لا نطلب صحبة الجاهلين ولا نريد مخالطتهم إِنَّكَ لا تَهْدِي هداية موصلة إلى البغية لا محالة مَنْ أَحْبَبْتَ أي كل من أحببته طبعا من الناس قومك وغيرهم ولا تقدر أن تدخله في الإسلام وإن بذلت فيه غاية المجهود وجاوزت في السعي كل حد معهود، وقيل: من أحببت هدايته.

وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ هدايته فيدخله في الإسلام وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ بالمستعدين لذلك وهم الذين يشاء سبحانه هدايتهم ومنهم الذين ذكرت أوصافهم من أهل الكتاب، وأفعل للمبالغة في علمه تعالى.

وقيل: يجوز أن يكون على ظاهره، وأفاد كلام بعضهم أن المراد أنه تعالى أعلم بالمهتدي دون غيره عز وجل، وحيث قرنت هداية الله تعالى بعلمه سبحانه بالمهتدي وأنه جل وعلا العالم به دون غيره دل على أن المراد بالمهتدي المستعد دون المتصف بالفعل فيلزم أن تكون هدايته إياه بمعنى القدرة عليها، وحيث كانت هدايته تعالى لذلك بهذا المعنى، وجيء بلكن متوسطة بينها وبين الهداية المنفية عنه صلّى الله تعالى عليه وسلّم لزم أن تكون تلك الهداية أيضا بمعنى القدرة عليها لتقع لكن في موضعها، ولذا قيل: المعنى إنك لا تقدر أن تدخل في الإسلام كل من أحببت لأنك عبد لا تعلم المطبوع على قلبه من غيره ولكن الله تعالى يقدر على أن يدخل من يشاء إدخاله وهو الذي علم سبحانه أنه غير مطبوع على قلبه، وللبحث فيه مجال، وظاهر عبارة الكشاف حمل نفي الهداية في قوله تعالى: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ على نفي القدرة على الإدخال في الإسلام وإثباتها في قوله سبحانه: وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ على وقوع الإدخال في الإسلام بالفعل، وهذا ما اعتمدناه في تفسير الآية، ووجهه أن مساق الآية لتسليته صلّى الله تعالى عليه وسلّم حيث لم ينجع في قومه الذين يحبهم ويحرص عليهم أشد الحرص إنذاره عليه الصلاة والسلام إياهم وما جاء به إليهم من الحق بل أصروا على ما هم عليه، وقالوا: لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى [القصص: ٤٨] ثم


(١) قوله لهم أي للاغين إلخ وقع في خط المؤلف كتابة لفظ لهم بالحمرة ظنا منه رحمه الله أنها من القرآن ولذلك قال أي للاغين المفهوم إلخ.

<<  <  ج: ص:  >  >>