للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

إِشاعة الأحكام وتعميمها إِذا ثبتت بالأصوات والرمي، وما هو أبعد مدى منه وأبلغ انتشارا مما يدخل في هذا الأصل الكبير.

* ومما يدل على ذلك: أن صُدُور هذه الأخبار بالإِبراق ونحوه، تقع محررة منقحة يندر جدا وقُوع الخَطَأ والغلط فيها، فضلا عن التعمد ومخالفة ما ثبت عند ولاة الأمر، والناس قد عرفوا واصطلحوا أنها إذا حصلت فإنها لا تصدر إلا بعد عرضها على الحكَّام الشرعيين وتنقيحها وثبوتها ثبوتا لا تردد فيه، وأنها أبلغ من شهادة الشهود التي تحتمل السَّهو والغلط أكثر من هذا، وهذه الأشياء لا يمكن التقول أو الافتئات فيها على ولاة الأمر وإذا كان الناس يعتمدونها في أمور دينهم ودنياهم، كالولايات والوكالات في النكاح، والعقود، والمواريث، وموت الأزواج، ويثبتون مقتضى ذلك من العدة، والإحداد، والميراث وغير ذلك، وكإخراج الزكاة والكفارات، وكالحوالات والتنقل من محل إلى محل، ونحو ذلك مما لا يحصى، فما المانع من قبولها في ثبوت الأشهر، والصَّيام، والفطر ونحوه، وهي في هذه الحال قد احتف بها من القرائن المحققات والضبط والتحرير ما لا يوجد في غيرها، خصوصا الصادر في مقر الحاكم الشرعي.

وهذا واضح -ولله الحمد- فالشارع لا يرد خبرا صادقا ولا يَنْفي طريقا يحصل به الثبوت، ولا يفرق بين المتماثلات، وإنما يتوقف في خبر المجهول ومن لا يوثَق بخبره، أو من محل لا حاكم فيه، فهذا النوع يجب التَّثبت في خبره.

والحاصل: أن إِيصال الأخبار بالرمي والبرقيات ونحوها مما يوصل الخبر إلى الأماكن البعيدة، هو عبارة وتعبير عما اتَّفق عليه ولاة الأمر، وثبت عندهم مُقْتَضَاه، وهو من الطُّرق التي لا يرتاب الناس فيها، ولا يَحْصُل لهم أدنى شك في ثبوت خبرها، ومن توقَّف فيها في بعض اَلأمور الشرعية فلم يتوقف لشكه في أنها أفادت العلم، وإنما ذلك لظنه أن هذا الطريق المعين لم يكن من الطرق المعتادة في الزمان الأول وهذا لا يوجب التوقف، فكم من أمور حدثت لم يكن لها في الزمان الأول وُجُود، وصارت أَولى وأحق بالدخول من كثير من الأمور الموجودة قبل ذلك والله أعلم" (١) .


(١) "الفتاوى السعدية" للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي (ص ٢١٨-٢٢٦) .

<<  <  ج: ص:  >  >>