فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[39 \ 38] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا «فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ» أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَسِيلَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ «وَفِي آيَةِ الْمَائِدَةِ» : هُوَ التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ ; وَمِنْهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:

أَرَى النَّاسَ لَا يَدْرُونَ مَا قَدْرُ أَمْرِهِمْ ... بَلَى كُلُّ ذِي لُبٍّ إِلَى اللَّهِ وَاسِلُ

وَقَدْ قَدَّمْنَا «فِي الْمَائِدَةِ» أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ قَوْلَ عَنْتَرَةَ:

إِنَّ الرِّجَالَ لَهُمْ إِلَيْكِ وَسِيلَةٌ ... إِنْ يَأْخُذُوكِ تَكَحَّلِي وَتَخَضَّبِي

مِنْ هَذَا الْمَعْنَى، كَمَا قَدَّمْنَا أَنَّهَا تُجْمَعُ عَلَى وَسَائِلَ، كَقَوْلِهِ:

إِذَا غَفَلَ الْوَاشُونَ عُدْنَا لِوَصْلِنَا ... وَعَادَ التَّصَافِي بَيْنَنَا وَالْوَسَائِلُ

وَأَصَحُّ الْأَعَارِيبِ فِي قَوْلِهِ: أَيُّهُمْ أَقْرَبُ [17 \ 57] ، أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ وَاوِ الْفَاعِلِ فِي قَوْلِهِ: يَبْتَغُونَ، وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذَا «فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ» بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا.

قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ حَذْفُ الصِّفَةِ، أَيْ: وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ ظَالِمَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا. وَهَذَا النَّعْتُ الْمَحْذُوفُ دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ; كَقَوْلِهِ: وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ [28 \ 59] ، وَقَوْلِهِ: ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ [6 \ 131] ، أَيْ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ تُنْذِرَهُمُ الرُّسُلُ فَيَكْفُرُوا بِهِمْ وَبِرَبِّهِمْ، وَقَوْلِهِ: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [11 \ 117] ، وَقَوْلِهِ: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا [65 \ 8، 9] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.

وَغَايَةُ مَا فِي هَذَا الْقَوْلِ حَذْفُ النَّعْتِ مَعَ وُجُودِ أَدِلَّةٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ، وَنَظِيرُهُ فِي الْقُرْآنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا [18 \ 79] ، أَيْ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ ; بِدَلِيلِ أَنَّ خَرْقَ الْخَضِرِ لِلسَّفِينَةِ الَّتِي رَكِبَ فِيهَا هُوَ وَمُوسَى يُرِيدُ بِهِ سَلَامَتَهَا مِنْ أَخْذِ الْمَلِكِ لَهَا ; لِأَنَّهُ لَا يَأْخُذُ الْمَعِيبَةَ الَّتِي فِيهَا الْخَرْقُ وَإِنَّمَا يَأْخُذُ الصَّحِيحَةَ، وَمِنْ حَذْفِ النَّعْتِ قَوْلُهُ تَعَالَى: قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ [2 \ 71] ; أَيْ بِالْحَقِّ الْوَاضِحِ الَّذِي لَا لَبْسَ مَعَهُ فِي صِفَاتِ الْبَقَرَةِ الْمَطْلُوبَةِ، وَنَظِيرُهُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ قَوْلُ الشَّاعِرِ، وَهُوَ الْمُرَقَّشُ الْأَكْبَرُ:

<<  <  ج: ص:  >  >>