فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وَهَذَا الْوَعِيدُ الَّذِي أُوعِدَ بِهِ إِبْلِيسُ وَمَنْ تَبِعَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، بَيَّنَهُ أَيْضًا فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ ; كَقَوْلِهِ: قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ [38 \ 84 - 85] ، وَقَوْلِهِ: فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ.

وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: جَزَاءً مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مَنْصُوبٌ بِالْمَصْدَرِ قَبْلَهُ، عَلَى حَدِّ قَوْلِ ابْنِ مَالِكٍ فِي الْخُلَاصَةِ:

بِمِثْلِهِ أَوْ فِعْلٍ اوْ وَصْفٍ نُصِبْ ... وَكَوْنُهُ أَصْلًا لِهَذَيْنِ انْتُخِبْ

وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي: أَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّ «مَوْفُورًا» بِمَعْنَى «وَافِرٍ» لَا دَاعِيَ لَهُ. بَلْ «مَوْفُورًا» اسْمُ مَفْعُولٍ عَلَى بَابِهِ، مِنْ قَوْلِهِمْ: وَفَرَ الشَّيْءَ يَفِرُهُ، فَالْفَاعِلُ وَافِرٌ، وَالْمَفْعُولُ مَوْفُورٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:

وَمَنْ يَجْعَلِ الْمَعْرُوفَ مِنْ دُونِ عِرْضِهِ ... يَفِرْهُ وَمَنْ لَا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمِ

وَعَلَيْهِ: فَالْمَعْنَى: جَزَاءً مُكَمَّلًا مُتَمَّمًا. وَتُسْتَعْمَلُ هَذِهِ الْمَادَّةُ لَازِمَةً أَيْضًا تَقُولُ: وَفَرَ مَالُهُ فَهُوَ وَافِرٌ ; أَيْ كَثِيرٌ. وَقَوْلُهُ: «مَوْفُورًا» نَعْتٌ لِلْمَصْدَرِ قَبْلَهُ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا.

قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: هَذَا أَمْرٌ قَدَرِيٌّ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا [19 \ 83] ; أَيْ تُزْعِجُهُمْ إِلَى الْمَعَاصِي إِزْعَاجًا، وَتَسُوقُهُمْ إِلَيْهَا سَوْقًا. انْتَهَى.

قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ صِيَغَ الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ: وَاسْتَفْزِزْ [17 \ 64] ، وَقَوْلِهِ: وَأَجْلِبْ، وَقَوْلِهِ: وَشَارِكْهُمْ، إِنَّمَا هِيَ لِلتَّهْدِيدِ، أَيِ افْعَلْ ذَلِكَ فَسَتَرَى عَاقِبَتَهُ الْوَخِيمَةَ ; كَقَوْلِهِ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ [41 \ 40] ، وَبِهَذَا جَزَمَ أَبُو حَيَّانَ «فِي الْبَحْرِ» ، وَهُوَ وَاضِحٌ كَمَا تَرَى. وَقَوْلُهُ: وَاسْتَفْزِزْ، أَيِ اسْتَخِفَّ مَنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَسْتَفِزَّهُ مِنْهُمْ، فَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ الْمَقَامِ عَلَيْهِ، وَالِاسْتِفْزَازُ: الِاسْتِخْفَافُ. وَرَجُلٌ فَزٌّ: أَيْ خَفِيفٌ، وَمِنْهُ قِيلَ لِوَلَدِ الْبَقَرَةِ: فَزٌّ. لِخِفَّةِ حَرَكَتِهِ. وَمِنْهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:

<<  <  ج: ص:  >  >>