فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وَبَيَّنَ أَنَّ الْإِنْسَانَ قَتُورٌ، أَيْ بَخِيلٌ مُضَيِّقٌ ; مِنْ قَوْلِهِمْ: قَتَّرَ عَلَى عِيَالِهِ، أَيْ ضَيَّقَ عَلَيْهِمْ.

وَبَيَّنَ هَذَا الْمَعْنَى فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا [4 \ 53] ، وَقَوْلِهِ: إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِّينَ الْآيَةَ [70 \ 19 - 22] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.

وَالْمُقَرَّرُ فِي عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ «لَوْ» لَا تَدْخُلُ إِلَّا عَلَى الْأَفْعَالِ، فَيُقَدَّرُ لَهَا فِي الْآيَةِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ، وَالضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ بَعْدَ «لَوْ» أَصْلُهُ فَاعِلُ الْفِعْلِ الْمَحْذُوفِ، فَلَمَّا حُذِفَ الْفِعْلُ فُصِلَ الضَّمِيرُ. وَالْأَصْلُ قُلْ لَوْ تَمْلِكُونَ، فَحُذِفَ الْفِعْلُ فَبَقِيَتِ الْوَاوُ فَجُعِلَتْ ضَمِيرًا مُنْفَصِلًا، هُوَ: أَنْتُمْ. هَكَذَا قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ

الْآيَةَ. قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: هَذِهِ الْآيَاتُ التِّسْعُ، هِيَ: الْعَصَا، وَالْيَدُ، وَالسُّنُونَ، وَالْبَحْرُ، وَالطُّوفَانُ، وَالْجَرَادُ، وَالْقُمَّلُ، وَالضَّفَادِعُ، وَالدَّمُ، آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ.

وَقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وَعَلَا هَذِهِ الْآيَاتِ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ ; كَقَوْلِهِ: فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ [7 \ 107 - 108] ، وَقَوْلِهِ: وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ الْآيَةَ [7 \ 130] ، وَقَوْلِهِ: فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [26 \ 63] وَقَوْلِهِ: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ [7 \ 133] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الْمُبَيِّنَةِ لِمَا ذَكَرْنَا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمُ الْجَبَلَ بَدَلَ «السِّنِينَ» وَعَلَيْهِ فَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ [7 \ 117] ، وَنَحْوُهَا مِنَ الْآيَاتِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ

الْآيَةَ، بَيَّنَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ فِرْعَوْنَ عَالِمٌ بِأَنَّ الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةَ مَا أَنْزَلَهَا إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ، أَيْ حُجَجًا وَاضِحَةً، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَ فِرْعَوْنَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى [20 \ 49] ، وَقَوْلَهُ: قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ [26 \ 23] كُلُّ ذَلِكَ مِنْهُ تَجَاهُلُ عَارِفٍ.

<<  <  ج: ص:  >  >>