فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ - بَيَانُ هَذِهِ الْآيَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ [16 \ 4] ، فِي سُورَةِ «النَّحْلِ» ، وَفِي سُورَةِ «الْوَاقِعَةِ» عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ [56 \ 58 - 59] ، وَتَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ [76 \ 2] ، فِي سُورَةِ «الدَّهْرِ» .

قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ، «إِنَّهُ» هُنَا أَيْ: إِنَّ اللَّهَ «عَلَى رَجْعِهِ» ، الضَّمِيرُ فِيهِ قِيلَ: رَاجِعٌ لِلْمَاءِ الدَّافِقِ، أَيْ: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَادِرٌ عَلَى رَجْعِ هَذَا الْمَاءِ مِنْ حَيْثُ خَرَجَ، كَرَدِّ اللَّبَنِ إِلَى الضَّرْعِ مَثَلًا، وَرَدِّ الطِّفْلِ إِلَى الرَّحِمِ، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ عِكْرِمَةَ وَمُجَاهِدٍ.

وَقِيلَ: عَلَى رَجْعِ الْإِنْسَانِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ فِي الْأَوَّلِ دَلَالَةٌ عَلَى الْقُدْرَةِ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا اللَّهُ، إِلَّا أَنَّ فِي السِّيَاقِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الثَّانِي ; لِعِدَّةِ أُمُورٍ:

الْأَوَّلُ: أَنَّ رَدَ الْمَاءِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمٌ وَلَا أَمْرٌ آخَرُ سِوَى إِثْبَاتِ الْقُدْرَةِ، بِخِلَافِ رَجْعِ الْإِنْسَانِ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَهُوَ قَضِيَّةُ الْإِيمَانِ بِالْبَعْثِ. وَيَتَعَلَّقُ بِهِ كُلُّ أَحْكَامِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

الثَّانِي: مَجِيءُ الْقُرْآنِ بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ دَلِيلٌ عَلَى الْإِعَادَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي «يس» : وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ أَيْ: مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ: قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ [36 \ 78 - 79] ، أَيْ: «مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ» .

الثَّالِثُ: أَنِ الْأَوَّلَ يَحْتَاجُ مَعَهُ إِلَى تَقْدِيرِ عَامِلٍ لِـ «يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ» ، نَحْوُ اذْكُرْ مَثَلًا، بِخِلَافِ الثَّانِي، فَإِنَّ الْعَامِلَ فِيهِ: هُوَ «لَقَادِرٌ» ، أَيْ: لَقَادِرٌ عَلَى رَجْعِهِ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ.

وَنَقَلَ أَبُو حَيَّانَ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ قَوْلَهُ: وَكُلُّ مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ إِنَّمَا فَرَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ: «لَقَادِرٌ» هُوَ الْعَامِلُ فِي الظَّرْفِ ; لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ قُدْرَتَهُ عَلَى رَجْعِهِ مُقَيَّدَةٌ بِذَلِكَ، وَلَكِنْ بِتَأَمُّلِ أُسْلُوبِ الْعَرَبِ يُعْلَمُ جَوَازُهُ ; لِأَنَّهُ قَالَ: إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ أَوَّلًا وَآخِرًا، وَفِي كُلِّ وَقْتٍ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى وَخَصَّصَ مِنَ الْأَوْقَاتِ الْوَقْتَ الْأَهَمَّ

<<  <  ج: ص:  >  >>