فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

مُعَاضِدِينَ لِقُرَيْشٍ عَلَى حَرْبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عليه وآله وَسَلَّمَ وَقِتَالِ الْمُسْلِمِينَ فَأَمَرَ اللَّه تَعَالَى بِقِتَالِهِمْ وَقَتْلِهِمْ إنْ هُمْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِ الْمُسْلِمِينَ وقَوْله تَعَالَى إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لهم مَعْنَاهُ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ وَافِيَةً مَوْثُوقًا بِهَا وَلَمْ يَنْفِ بِهِ وُجُودَ الْأَيْمَانِ مِنْهُمْ لِأَنَّهُ قَدْ قَالَ بَدِيًّا وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بعد عهدهم

وَعَطَفَ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلَهُ أَلا تُقَاتِلُونَ قوما نكثوا أيمانهم فثبت أنه لم برد بقوله لا أيمان لهم نَفْيَ الْأَيْمَانِ أَصْلًا وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ نَفْيَ الْوَفَاءِ بِهَا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ إطْلَاقِ لَا وَالْمُرَادُ نَفْيُ الْفَضْلِ دُونَ نَفْيِ الْأَصْلِ وَلِذَلِكَ نَظَائِرُ مَوْجُودَةٌ فِي السُّنَنِ وَفِي كَلَامِ الناس

كقوله صلّى اللَّه عليه وآله وَسَلَّمَ لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ

وليس بِمُؤْمِنٍ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ

وَلَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّه

وَنَحْوُ ذَلِكَ فَأَطْلَقَ الْإِمَامَةَ فِي الْكُفْرِ لِأَنَّ الْإِمَامَ هُوَ الْمُقْتَدَى بِهِ الْمُتَّبَعُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ قَالَ اللَّه تَعَالَى وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النار وَقَالَ فِي الْخَيْرِ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا فَالْإِمَامُ فِي الْخَيْرِ هَادٍ مُهْتَدٍ وَالْإِمَامُ فِي الشر ضال مضل قد قِيلَ إنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا غَدَرُوا بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عليه وآله وَسَلَّمَ وَنَكَثُوا مَا كَانُوا أَعْطَوْا مِنْ الْعُهُودِ وَالْأَيْمَانِ عَلَى أَنْ لَا يُعِينُوا عَلَيْهِ أَعْدَاءَهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَهَمُّوا بِمُعَاوَنَةِ الْمُنَافِقِينَ وَالْكُفَّارِ عَلَى إخراج النبي صلّى اللَّه عليه وآله وَسَلَّمَ مِنْ الْمَدِينَةِ وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ بَدَءُوا بِالْغَدْرِ وَنَكْثِ الْعَهْدِ

وَأَمَرَ بِقِتَالِهِمْ بِقَوْلِهِ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ الله بأيديكم وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ ذَلِكَ مُرَتَّبًا عَلَى قَوْلِهِ وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ قَدْ كَانُوا نَقَضُوا الْعَهْدَ بقوله ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم

قَوْله تَعَالَى أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وليجة فَإِنَّ مَعْنَاهُ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمْ تُجَاهِدُوا لِأَنَّهُمْ إذَا جَاهَدُوا عَلِمَ اللَّه ذَلِكَ مِنْهُمْ فَأَطْلَقَ اسْمَ الْعِلْمِ وَأَرَادَ بِهِ قِيَامَهُمْ بِفَرْضِ الْجِهَادِ حَتَّى يَعْلَمَ اللَّه وُجُودَ ذَلِكَ منهم وَقَوْلِهِ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رسوله ولا المؤمنين وليجة يَقْتَضِي لُزُومَ اتِّبَاعِ الْمُؤْمِنِينَ وَتَرْكَ الْعُدُولِ عَنْهُمْ كَمَا يَلْزَمُ اتِّبَاعُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى لُزُومِ حُجَّةِ الْإِجْمَاعِ وَهُوَ كَقَوْلِهِ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المؤمنين نوله ما تولى وَالْوَلِيجَةُ الْمَدْخَلُ يُقَالُ وَلَجَ إذَا دَخَلَ كَأَنَّهُ قَالَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَدْخَلٌ غَيْرُ مَدْخَلِ الْمُؤْمِنِينَ وَيُقَالُ إنَّ الْوَلِيجَةَ بِمَعْنَى الدَّخِيلَةِ وَالْبِطَانَةِ وَهِيَ مِنْ الْمُدَاخَلَةِ وَالْمُخَالَطَةِ وَالْمُؤَانَسَةِ فَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى هَذَا فَقَدْ دَلَّ عَلَى النَّهْيِ عَنْ مُخَالَطَةِ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ وَمُدَاخَلَتِهِمْ

<<  <  ج: ص:  >  >>