فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ قَوْله تَعَالَى فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رجس هو كقوله إنما المشركون نجس لِأَنَّ الرِّجْسَ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ النَّجَسِ وَيُقَالُ رِجْسٌ نَجَسٌ عَلَى الْإِتْبَاعِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ مُجَانَبَةِ الْكُفَّارِ وَتَرْكِ مُوَالَاتِهِمْ وَمُخَالَطَتِهِمْ وَإِينَاسِهِمْ وَتَقْوِيَتِهِمْ

وقَوْله تَعَالَى يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عن القوم الفاسقين يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَلِفَ عَلَى الِاعْتِذَارِ مِمَّنْ كَانَ مُتَّهَمًا لَا يُوجِبُ الرِّضَا عَنْهُ وَقَبُولَ عُذْرِهِ لِأَنَّ الْآيَةَ قَدْ اقْتَضَتْ النَّهْيَ عَنْ الرِّضَا عَنْ هَؤُلَاءِ مَعَ أَيْمَانِهِمْ وَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ يَحْلِفُونَ وَلَمْ يَقُلْ بِاَللَّهِ وَقَالَ في الآية الأولى سيحلفون بالله فَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ فِي الْحَلِفِ فِي الْأُولَى وَاقْتَصَرَ فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى ذِكْرِ الْحَلِفِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا سَوَاءٌ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخر يحلفون على الكذب وهم يعلمون وَكَذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقَسَمِ فَقَالَ في موضع وأقسموا بالله جهد أيمانهم وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مصبحين فَاكْتَفَى بِذِكْرِ الْحَلِفِ عَنْ ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِ الْقَائِلِ أَحْلِفُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ أحلف بالله وكذلك قوله أقسم وأقسم بِاَللَّهِ

قَوْله تَعَالَى الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ على رسوله أُطْلِقَ هَذَا الْخَبَرُ عَنْ الْأَعْرَابِ وَمُرَادُهُ الْأَعَمُّ الأكثر منهم وهم الذين كانوا يواطئون الْمُنَافِقِينَ عَلَى الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ أَجْدَرُ أَنْ لَا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَذَلِكَ لِقِلَّةِ سَمَاعِهِمْ لِلْقُرْآنِ وَمُجَالَسَتِهِمْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُمْ أَجْهَلُ مِنْ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا يَسْمَعُونَ الْقُرْآنَ وَالْأَحْكَامَ فَكَانَ الْأَعْرَابُ أَجْهَلَ بِحُدُودِ الشَّرَائِعِ مِنْ أُولَئِكَ وَكَذَلِكَ هُمْ الْآنَ فِي الْجَهْلِ بِالْأَحْكَامِ وَالسُّنَنِ وَفِي سَائِرِ الْأَعْصَارِ وَإِنْ كَانُوا مُسْلِمِينَ لِأَنَّ مَنْ بَعُدَ مِنْ الْأَمْصَارِ وَنَاءَ عَنْ حَضْرَةِ الْعُلَمَاءِ كَانَ أَجْهَلَ بِالْأَحْكَامِ وَالسُّنَنِ مِمَّنْ جَالَسَهُمْ وَسَمِعَ مِنْهُمْ وَلِذَلِكَ كَرِهَ أَصْحَابُنَا إمَامَةَ الْأَعْرَابِيِّ فِي الصَّلَاةِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ إطْلَاقَ اسْمِ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ عَلَى الْأَعْرَابِ خَاصٌّ فِي بَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ قَوْله تَعَالَى فِي نَسَقِ التِّلَاوَةِ

وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرسول الْآيَةَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ صَلَوَاتِ الرَّسُولِ اسْتِغْفَارُهُ لَهُمْ وَقَالَ قَتَادَةُ دُعَاؤُهُ لَهُمْ بِالْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ

وقَوْله تَعَالَى وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان فِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى تَفْضِيلِ السَّابِقِ إلَى الْخَيْرِ على التالي لأنه داع إليه بسبقه وَالتَّالِي تَابِعٌ لَهُ فَهُوَ إمَامٌ لَهُ وَلَهُ

<<  <  ج: ص:  >  >>