للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأصلها تاء المرة، ولكنها لما أريد بها المصدر، قطع النظر عن المرة، وصار لفظ «الحاقة» بمعنى الحق الثابت الوقوع.

ولفظ «الحاقة» مبتدأ، و «ما» مبتدأ ثان، ولفظ الحاقة الثاني، خبر المبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره، خبر المبتدأ الأول.

قال القرطبي ما ملخصه: قوله- تعالى-: الْحَاقَّةُ. مَا الْحَاقَّةُ يريد القيامة، سميت بذلك: لأن الأمور تحق فيها.

وقيل سميت بذلك، لأنها تكون من غير شك. أو لأنها أحقت لأقوام الجنة، ولأقوام النار، أو لأن فيها يصير كل إنسان حقيقا بجزاء عمله، أو لأنها تحق كل محاق في دين الله بالباطل. أى: تبطل حجة كل مخاصم في دين الله بالباطل- يقال: حاققته فحققته فأنا أحقّه، إذا غالبته فغلبته.. والتّحاق التخاصم، والاحتقاق: الاختصام.. «١» .

و «ما» في قوله وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ اسم استفهام المقصود به هنا التهويل والتعظيم، وهي مبتدأ. وخبرها جملة أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ وما الثانية وخبرها في محل نصب سادة مسد المفعول الثاني لقوله أَدْراكَ لأن أدرى يتعدى لمفعولين، الأول بنفسه والثاني بالباء، كما في قوله- تعالى-: قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ «٢» .

وهذا الأسلوب الذي جاءت به هذه الآيات الكريمة، فيه ما فيه من التهويل من شأن الساعة، ومن التعظيم لأمرها، فكأنه- تعالى- يقول: يوم القيامة الذي يخوض في شأنه الكافرون، والذي تحق فيه الأمور وتثبت. أتدري أى شيء عظيم هو؟ وكيف تدرى أيها المخاطب؟ ونحن لم نحط أحدا بكنه هذا اليوم، ولا بزمان وقوعه؟

وإنك- أيها العاقل- مهما تصورت هذا اليوم، فإن أهواله فوق ما تتصور، وكيفما قدرت لشدائده: فإن هذه الشدائد فوق ما قدرت.

ومن مظاهر هذا التهويل لشأن يوم القيامة افتتاح السورة بلفظ «الحاقة» الذي قصد به ترويع المشركين، لأن هذا اللفظ يدل على أن يوم القيامة حق.

كما أن تكرار لفظ «ما» ثلاث مرات، مستعمل- أيضا- في التهويل والتعظيم، كما أن إعادة المبتدأ في الجملة الواقعة خبرا عنه بلفظه، بأن قال مَا الْحَاقَّةُ ولم يقل ما هي، يدل أيضا على التهويل. لأن الإظهار في مقام الإضمار يقصد به ذلك، ونظيره


(١) راجع تفسير القرطبي ج ١٨ ص ٢٥٧.
(٢) سورة يونس الآية ١٦. [.....]

<<  <  ج: ص:  >  >>